
محمد یونس، نیو إیج إسلام
(شارک في تألیف الکتاب المعروف ب‘‘الرسالة الحقیقیة للإسلام’’ (مع أشفاق اللہ سید)، وقامت بطبعھ مکتبة آمنة، الولایات المتحدۃ، في عام2009م)
من المعروف أن کل کلمۃ لھا دلالات متعددۃ تتغیر حسب ما یستخدمھا عامۃ الناس والعلماء في حالات مختلفة. فالکلمۃ الإنجلیزیۃ Present” “ تتضمن عدۃ معاني، منھا الوجود المادي، والھدیۃ، أو العرض، أو تعریف شخص أو أوراق الاعتماد۔ وکذالک کلمۃ ‘‘struggle’’ تستخدم للنضال من أجل البقاء رغم الشدائد أو الكفاح المسلح من أجل التحرير أو ضد قوة الاحتلال وهلم جرا۔ وينطبق نفس الشيء على العديد من الكلمات القرآنية بما في ذلك کلمۃ الجهاد (فعلھ: جاھد).
بينما تعرف معاني الكلمات القرآنية المترجمۃ إلی لغات مختلفة نظرا إلی مفردات المترجم وميولھ المعرفية، إن أفضل طريقة لفهم معاني المفردات القرآنية الباطنیۃ هو معرفۃ مقصود القرآن الکریم من كلمة جا ءت في آية ما، ومعرفۃ المعاني المماثلة للكلمة في نصوصھ ومن ثم التوصل إلى معنى أو مجموعة من المعاني التي هي أنسب منطقيا وموضوعيا.
وھذہ المحاولات، کما قدمناہ أدناہ، تؤضح أن القرآن الکریم استخدم کلمۃ ‘الجھاد’ وغیرھا من مشتقاتھا للنضال من أجل تحقیق ھدف مشروع۔
کما قال العلامة إقبال في بیتھ:
‘‘جھاد زندگاني میں صورت فولاد پیدا کر’’
" ازرع قوة من الصلب لأجل الكفاح للحياة ".
وهكذا، على المستوى الشخصي، الجهاد هو كفاح مستمر لمواجهة المصاعب والتحديات التي تواجه الحياة مع الصبر والعزم، أو ھو سعى متواصل لتحقيق هدف مشروع. وعلى مستوى المجتمع، الجھاد هو صراع دائر للتغلب على المساوئ الأخلاقية والاجتماعية، والمادیة، والفكريۃ والروحيۃ۔ ويمكن أن يشمل ھذا الكفاح المسلح ضد الغزاة أو جيش الاحتلال. مع هذا نستعرض تطور مفهوم الجهاد مع تقدم الوحي وتغيير الديناميات السياسية بين فترات المكيۃ والمدنیۃ۔
1.1.جھاد أصحاب النبي صلی اللہ علیہ وسلم في مکۃ
خلال الفترة المكية، عندما کان المسلمون في عدد قلیل وکانوا غیر قادرین علی الدفاع عن أنفسھم، استخدم القرآن الکریم کلمۃ الجھاد للدلالۃ علی 'النضال غير العنيف "(25:52، 29:6، 29:69)، وكذلك "الضغط الأخلاقي" - مثل وضع الآباء 'الضغط' على أطفالهم (29:8، 31:15).
‘‘فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا’’ (25:52)
‘‘ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين’’ (29:6)
‘‘ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون’’ (29:8)
‘‘ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون’’ (29:8)
‘‘والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين’’ (29:69)
‘‘وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا’’ (31:15) ….
جھاد أصحاب النبي صلی اللہ علیہ وسلم في المدینۃ المنورۃ
في الفترة المدنیۃ، واجھ الکثیر من المسلمین ھجمات متکررۃ من أعدائھم الأقویاء من کفار مکۃ، وما کان للمسلمین خیار سوی الدفاع عن أنفسھم۔ فأمرھم القرآن بالجھاد بأموالهم وأنفسھم (8:72، 49:15، 61:11) - تعليمة عامة دعتھم إلى حمل السلاح، ويمكن التنبؤ به، يفضل الأثرياء بين أتباع النبي لتبقى في المؤخرة (9:86).
‘‘إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض’’ (8:72) ....
‘‘وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين’’ (9:86)
‘‘إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون’’ (49:15)
‘‘يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم’’ (61:10)
‘‘تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون’’ (61:11)
ومثل الآیات المکیۃ المماثلۃ، ھذہ الآیات أیضا لا تطلب العنف صراحۃ۔
إذا كان المقصود منھا القتال المسلح، کان القرآن قد استخدم المصطلحات مثل الحرب، والصراع، و القتال، والمعركة، أو القتل، ولكنھ، بدلا من ذلك، اختار أخف مصطلح لھ مجموعة من المعاني والدلالات بما فیھا كسب الرزق بالعمل البدني حتى ولو کان یعتبر عملا متواضعا ودنیئا (9:79) والنضال المتواصل من أجل الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي (22:78)، وكما تقدم المجتمع، قام بالجهاد في سبیل الله (2:218، 5:35)۔
‘‘إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم’’ (2:218)
‘‘يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون’’(5:35)
‘‘الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم’’ (9:79)
‘‘وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس’’ (22:78)
ولتوضیح مفهوم أوسع للجهاد، قال النبي صلی اللہ علیہ وسلم لأصحابه بعد عودته من حملة عسكرية: " اليوم قد عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأکبر"، وأضاف قائلا إنھ أراد بذالک عودته من معركة مسلحة إلى معركة سلمية لضبط النفس" وهذا هو التجديد الفكري والروحي والقضاء على الرذائل الاجتماعية والأخلاقية.
الفكرة المشوهة للجهاد تجعلھ مجرد نشاط عسکري
إن الآیات المدنیۃ المذکورۃ أعلاہ حول الجھاد تتبنی فکرۃ الكفاح المسلح (9:86) ضمن نطاق أوسع، فيجوز القیام بالجهاد، کما حدث تاريخيا، لإضفاء الشرعية الدينية علی حمل السلاح ضد الغزاة أو جيش الاحتلال. ومع ذلك، نظرا إلى التفات القرآن من الجھاد غير العنيف والجھاد الأكبر في الفترة المكية إلى الجهاد الدفاعي في الفترة المدنیۃ تحت قيادة النبي صلی اللہ علیہ وسلم، يجب أن تکون الدعوة إلى الجهاد القتالي من قبل الزعيم الدیني الشرعي للمجتمع –وھو رئيس الدولة أو الرئيس الذي انتخبھ القوم في سياق يومنا هذا، وليس من قبل زعيم لأيۃ جماعة إرهابية. فھذا ھو الجھاد القرآني الذي لا یقبل أي نوع من الإرھاب، أو انفجار القنابل، أو التفجیر الانتحاري، أو أعمال العنف الأخری التي ترتکبھا الجماعات الإرھابیۃ الیوم ضد المدنيين الآمنين تحقیقا لأھدافھم السیاسیۃ ۔
دور الجھاد الأکبر في کبح الشھوات
أنزل اللہ القرآن الكريم في حین کانت نظریات العالم حول الحریۃ والعدالۃ وحقوق الإنسان غیر راقیۃ۔ وكان الحكام، والإقطاعيون، ورؤساء العشائر، والكهنة يمارسون ضغوطا غير محدودة على عامة الناس، وکانت المرأة کمجرد متاع الجنس وحيازة الرجال (الآباء أو الأخوة أو الأزواج) وما کانت لھن أیۃ حقوق قانونية [1] و کان المرضى والمتسولون یعتبرون كمخلوقات الله الرجيمۃ، وجمع الأغنياء الثروات وحرم الفقراء لأنھ لم یوجد حینئذ أي مفهوم لتقاسم الثروة أوتوزيعھ بین الناس، وکان العبید واجھون معاملة وحشية من قبل أسيادهم طوال حياتھم – فھذہ کانت بعض الرذائل الرئيسية لذالک العهد ۔
وجاء الإسلام فنزع الطبقة الحاكمة من قوتها، وساعد الطبقات المضطهدة بالقضاء على الرذائل الرئيسية المنتشرۃ في المجتمع، وتحقق كل ذلك ضمن نطاق الجهاد الأكبر. فکانت المجتمعات الإسلامية خیر نموذج للعدالة، والإنصاف، والتراحم، والتسامح، والتنوير العقلي، و ھذا ھو الذي جذب الناس من مختلف الأديان إلى صفوفه، وأدى إلى انتشار تدريجي للإسلام وازدهار الحضارة الإسلامية.
فیتضح من ذالک أن التقالید القدیمۃ في العرب کانت تتعارض مع رسالۃ القرآن الکریم تعارضا شدیدا، لأنھا کانت متطرفۃ ورادیکالیۃ حسب المفھوم الحدیث ۔
و لذلك أصبحت العناصر الرجعية ، كما يحدث عادة مع مثل هذه الحركات، نشیطۃ بعد فترة قصیرۃ من وفاة النبي صلی اللہ علیھ وسلم (632). ففي غضون السنوات الثلاثين المقبلة، تم استبدال الخلافة بالانتخاب بالحكم الوراثي (662). وأتی حكام الأسرات (الأمويين،750- 663 ، والعباسيين،1258- 750) بالقيم الإقطاعية الفيودالية القديمة وطرحوا الأحکام القرآنية للإصلاح الاجتماعي إلی طرف آخر مما أدی إلى التخلف الاجتماعي والأخلاقي بالتدریج ۔
وزاد ھذا الانحطاط مع تحول السلطة إلی أيدي التتار (القرن الثالث عشر) فإنھم "أساءوا تفسير العقيدة الإسلامية حول القضاء والقدر۔ وذلك لإحباط إرادة المسلمین و لخنق سعيھم البشري لیتخذوا إجراءات تتناقض مع المبادئ الإسلامیۃ "[3]. هذا، مع مرور الوقت، أدی إلى تآكل روح الجهاد الأكبر، وحدد عقائد الإسلام إلى بعض الطقوس الدینیۃ من الصلاة، والصيام، والحج، وكذلك إلی بعض الأقوال والأحادیث التي تم تفسیرھا بالمجازات والاستعارات’’۔ [4]
وحدث ھذا خلال زمن طویل، ولا یناسب المزید من ذکرہ لأنھ لا یتعلق بالموضوع۔
والنتيجة هي التحول المطرد للإسلام من دين عالمي الذي أسفر عن أكبر ثورة اجتماعية وفكرية في تاريخ البشرية إلى مجموعة من الطقوس والعبادات والرموز، وبالتالي فهو لا یری كفؤا للأمم والحضارات العالمیۃ التي تمشي نحو مبادئ الجهاد الأكبر (بغیر إرادۃ طبعا): وھو الكفاح المتواصل لتحقيق الجودۃ في الأداء على المستوى الشخصي وتحسين نوعية الحياة من خلال النهوض بالاختراقات، والمعرفة والتطورات في مجال العلوم والتكنولوجيا والطب والزراعۃ ومجالات الاتصالات، ومعالجة الاحتياجات المادية للمواطنين، ومعالجة القضايا العالمية مثل تغير المناخ وارتفاع منسوب مياه البحر وغير ذلك - على مستوى أرفع۔
وفي الأیام الماضیۃ، تم سوء تفسیر الجھاد الأکبر من قبل الطائفۃ السلفیۃ التي تھدف إلی تحقیق سیاساتھا من خلال التطرف والإرھاب بإسم الجھاد۔
و أصبح ھذا الآن تهديدا كبيرا للغرب و لبقية العالم، بما في ذلك غالبية البلدان الإسلامیۃ والدول ذات الأقليات المسلمۃ۔
وأدت ھذہ التطورات الخبیثۃ في الإسلام إلی حاجة ملحة للمسلمين لإحياء روح الجهاد الأكبر، وإلا سوف یواجهون العواقب الخطيرة التي من الصعب تقدیرھا في هذه الأیام ۔
خلاصۃ القول: إن وضع الأقلیات من المسلمین في دول العالم یشابھ تماما مع أوضاع المسلمین في مکۃ في عھد النبي صلی اللہ علیہ وسلم۔ فھم مازالوا محرومین تماما في مجالات الملكية العقارية، والأداء الأكاديمي، والتمثيل في الإدارة، والخدمة المدنية، وفي القوات المسلحة، والمهن الرفیعۃ المستوی، لو أنھم لیسوا مظلومین جسدیا لأنھم یعیشون في الدول العالم العلماني الدیمقراطي ۔
إن هذا الانخفاض الذريع الاجتماعي والتعليمي والثقافي للمسلمین وظهور الجهاد المسلح والتطرف بینھم سرطان يؤثر سلبیا على السلام والتقدم، والرفاهية للمسلین عالمیا۔ ويجب مقاومتھ من خلال إحياء الروح الحقيقي للجهاد الأکبر. وهذا یقتضي منا ، في ضوء مبادئ القرآن الرئيسية للمرحلة الختامية، أن نتحلي بالسلوك المثالي والتمیز في الأعمال الصالحة وجميع أشكال الملاحقات القانونية متنافسین إيجابيا مع المجتمع العالمي (49:13، 5: 48)، ومتمثلین بالنماذج الاجتماعية والمعنوية والأخلاقية للقرآن كما قامت بتوجیھ وترشید المسلمین المكيين في عهد النبي صلی اللہ علیہ وسلم (25:52 أعلاه).
‘‘يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير’’(49:13)
‘‘وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون’’ (5:48)
الملاحظات:
1۔حسب القانون الروماني، کان الناس یعاملون المرأة كما لو کانت حوزة أزواجهن، وواجھن أقسى الظروف۔
وفي (1220-1258)، ظھرت جحافل المغول من منغوليا و انتشرت في الغرب، ودمرت مختلف علامات الحضارة الإسلامية التي ازدهرت في المناطق الشرقية بالخلافة الإسلامية، عبر السهول الوسطى من آسيا. بعد استسلام بغداد، عاصمة الخلافة، (1258)، احتل المغول الأراضي الإسلامية. ومع ذلك، اعتنقوا الإسلام قبل زمن طویل اشتھروا باسم التتار. وفاز الإيمان بالسلام الذي فقدہ جنوده في الحرب.
2۔ ھذا ماقالھ محمد عبدہ، وھو مقتبس من الکتاب ‘‘دي لائف آف محمد’’ صنفھ محمد حسین ھیکل، وترجمھ إلی الإنجلیزیۃ اسماعیل راغي، الطبعۃ الثامنۃ، مدینۃ کراتشي،عام 1989م، الصفحۃ: 584۔
3۔ المرجع نفسھ: قالھ محمد عبدہ، الصفحۃ: 585 ۔
محمد یونس: متخرج في الھندسۃ الکیمیائیۃ من المعھد الھندي للتکنالوجیا (IIT) وکان مسؤولا تنفیذیا لشرکۃ سابقا ، وھو لا یزال یشتغل بالدراسۃ المستفیضۃ للقرآن الکریم منذ أوائل التسعینات مع الترکیز الخاص علٰی رسالتھ الأ صلیۃ الحقیقیۃ۔ وقد قام بھذا العمل بالاشتراک وقد حصل علٰی التقدیر والموافقۃ من الأ زھر الشریف، القاھرہ، عام 2002 و کذالک حصل علی التائید والتوثیق من قبل الدکتور خالد أبو الفضل (UCIA) وقامت بطبعہ مکتبۃ آمنۃ،ماری لیند، الولایات المتحدۃ الأمریکیۃ عام 2009 م۔
ترجمہ من اللغۃ الإنجلیزیۃ: غلام رسول، نیو إیج إسلام
URL for English Article: https://newageislam.com/radical-islamism-jihad/the-qur’anic-perspective-jihad-greater/d/6855
URL: https://newageislam.com/arabic-section/the-qur’anic-perspective-jihad-greater/d/9449