
سيف شاهين، نیو إیج إسلام
هناك الكثير من الحديث في هذه الأيام عن ظهور " مرحلة ما بعد الإسلاموية" وھي تتمثل إعادة تفسير الإسلام الذي یتجاهل التعصب الجاري منذ العقود القليلة الماضية لتحقيق السياسة والثقافة الإسلامیة في تناغم مع الزمن. فھل مرحلة ما بعد الإسلاموية مجرد كلمة طنانة أخرى، أم هناك بعض المواد الکامنة فیھا ؟
ھل مضت مرحلة الإسلامویة بالفعل؟ وھل تفسیر الإسلام العنیف المتطرف الذي بدأ مع الثورة الإيرانية في عام 1979 قبل استھلاک الکثیر من منطقة الشرق الأوسط، أصبح الآن شيئا من الماضي؟ ربما ليس تماما، ولكن هذا لم يمنع العلماء من إجراء الحديث عن ظهور "ما بعد الإسلاموية"، وھو عصر جديد ملیئ بالمعاني والوعود الجديدة.
في المؤتمر السنوي الأخير لجمعية الاتصالات الدولية، أحد أكبر جمعیات الاتصالات الدولیة، كان الكثير من النقاش حول الإسلام والمسلمين، وحول قضايا الثقافة والسياسة في أخبار وسائل الإعلام الشعبية. ناقش العلماء موضوع الإسلاموفوبیا في وسائل الإعلام الغربية، كما هم متعودون علیھ في مثل هذه التجمعات. لكن عددا من العلماء من غير الغرب کانوا مستعدین للانتقال من ذٓالک الموضوع المحدد والنظر إلی ما یقوم به المسلمون أنفسهم، في موائلهم النظریة الخاصة.
بحث هؤلاء العلماء عن مختلف الطرق التي یستخدم بھا المسلمون أشكال التقنية والاتصال، من وسائل الاعلام الاجتماعية إلى الهواتف الذكية. وقالوا جميعا إن المسلمين في معظم أجزاء العالم، من إندونيسيا إلى مصر وأمريكا، بدأوا یشاركون في إعادة التفكير، وإعادة تفسير الإسلام بطرق جديدة. بينما هؤلاء المسلمون متأثرون، بلا شك، بدافع من الرغبة في الانسجام مع العالم الحديث بصورة أفضل، ولا تقودھم ھذہ الحداثة إلى تجنب الإسلام، بل إنھم یریدون أن یتطور الإسلام وثقافته وسياسته، مع تطورات العصر. فهم، بعبارة أخرى، یبشرون بعهد جديد لیس علمانيا و لا إسلامويا، بل هو "ما بعد الإسلاموية".
التدوین ضد التطرف
فعلى سبيل المثال، بحثت نورحیاء مختار وجيفري عن الموضوع: كيف یحاول الدعاة الإسلاميون في إندونيسيا نبذ التطرف في البلد الأكبر للمسلمین في العالم باستخدام وسائل الاتصال الحديثة. وقال داعیة إسلامي تم مقابلتھ في هذه الدراسة، إن لدیھ القلق الأول حول تعلیم أتباعھ، والثاني حول "فهم الإسلام" والثالث حول "حسن السلوك".
أعاد العديد من هؤلاء الدعاة تاریخ الانسجام والتوافق في اندونيسيا وأصروا على أن الحياة الإسلامية تكمن في التعايش السلمي مع الاندونيسيين من أتباع جميع الأديان. وقال أحد دعاة الإسلام، "إن العنف لا وجود له في الإسلام". وأضاف قائلا: ‘‘إن ھناک الکثیر من الأحاديث النبوية التي تنفي السلوك السيئ، ناهيك عن استخدام العنف. وهذا لأن هناك حديث آخر یقول إن الوسيلة لحل المشاكل هي استخدام اليد، لكنني أعتقد أن اليد في هذا الحديث لا يعني ضرب الناس أو استخدام العنف، فإنه یجوز أن يعني الحوار والتفاھم مع الناس مع حسن السلوك ... "
هؤلاء الدعاة یستخدمون كل شيء من تويتر والفيسبوك إلی المدونات والهواتف الذكية لیتمکنوا من التوصل إلی عدد أكبر من الناس ویوجھوا رسائلهم إلیھم. وقال واحد منهم ، ‘‘نحن لا يمكن أن نبتعد عن التكنولوجيا، لذلك علينا الاستفادة من ذلك". وأضاف قائلا: " أنا راغب في تعلم التكنولوجيا. وأنا نفسي مدرس... أعتقد أنھ یجب علی الجميع أن یتعلموا التكنولوجيا، و لا مجال لھم للفرار منھ، وإلا فإنهم سوف یبقون متخلفین ".
جماعة الاخوان في ساحة الانترنت
ركزت سمية بارذان دراستھا على اخوان ويب www.ikhwanweb.com، التي تديرہ جماعة الإخوان المصرية، بتحليل محتواه من الوقت الذي تم إطلاقه في عام 2005 حتى ديسمبر 2010 قبل شهر من احتجاجات الربيع العربي التي أحدثت ثورة في سياسة البلاد وأدت، في نهاية المطاف، إلى قیام سلطة الإخوان. تم تدشين الموقع من قبل خيرات الشاطر، أحد أبرز قادة جماعة الإخوان، وھو ممن تم القبض عليهم في حملة القمع الأخيرة على أعضاء الإخوان بعد انقلاب الجيش في هذا الشهر.
و يعرف إخوان ویب الإخوان بشكل قاطع بأنها "حركة إسلامية معتدلة". وقالت الدراسة إن الموقع یحقق تصور الإخوان عن المجتمع المثالي ‘‘القائم علی أساس الإسلام، وهو مفتوح لتبني المفاهيم الجدیدة والتطبيقات العملية، مثل التحديث الجديد، ولكن بشروط إسلامية. هذا المجتمع يشجع الحكومة التي تدعم الديمقراطية، والانتخابات، والوسائل الدستورية غير العنيفة ، والاختيار الشعبي، والإصلاح السياسي. هذا المجتمع لا يؤمن باستخدام العنف بدون السبب ويعزز الحقوق والقيم الإنسانیة ".
وفیما یتعلق بالدعم الغربي للدكتاتور حسني مبارك قبل الربيع العربي، قدم إخوان ویب فكرة إيجابية، وھي أن الغرب لا يمكن ولا ينبغي أن ننظر إليه باعتباره كيانا وأنه من الخطاء الاقتراب من الغرب. وھناک مثال يحتذى من هذا الموقف: "لا بد أن ندرك أنھ یمکن أن توجد وجهات نظر مختلفة في مجتمع غربي واحد." وأشارت الدراسة إلى أن الإخوان المسلمین في الانترنت قد اتخذوہ کوسيلة لكسب الدعم الغربي لتحقيق هدفھم السياسي سعیا للتغلب علی السلطة في مصر. ومع ذلك، فإن مثل هذه الاستراتيجية نفسها تتمثل تحولا كبيرا في موقف الإخوان من العداء القوي ضد شراكة محتملة مع "الغرب". وقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن جماعة الإخوان المسلمين مستعدة للوفاء بهذا الوعد.
المدونات النسوية للمسلمین
نظرت دراسة أخرى في مدونة المرأة المسلمة ميديا ووتش. بدأتھا فاطمة فخري، وهي مسلمة أميركية إیرانیة الأصل، کمدونة شخصیة لھا في عام 2007. ومنذ ذلك الحين، تطورت واصبح لديها 21 امرأة مسلمة من المدونات من مختلف الجنسيات، ومعظمهن وصلن إلیھا عن طريق الفيسبوك. وھن جميعا یھدفن إلى "مواجهة إساءة تصويرالمرأة المسلمة المظلومة ".
الحجاب موضوع نقاش دائم في تدویناتھن. والکثیر من النساء المساھمات یؤجھن تحدیا لاذعا للممارسات المتعلقة بالمرأة بالإضافة إلی انتقاداتھن حول رمزیة الحجاب كعلامة قدیمة للقهرضد الإناث في كثير من الأحيان"، ھذا ما قالتھ الدراسة التي أجراها نبيل. " لكن أحدی المدونات من ماليزيا کتبت مقالا بعنوان 'هل النسوية المسلمة أكثر من مجرد الدفاع عن الحجاب؟' وحثت المدونات جمیعا أن لا یقتصرن على " تبدید الخرافات التي تدور " تحت النقاب "، ویتناولن الموضوعات الکبری التي لھا علاقة بالسياسية و الاقتصاد.
ناقشت الدراسة أن الموقع ‘‘مسلمة ميديا ووتش’’ یمثل كل من الأفراد والجماعات من المسلمین کأعضاء التفاوض ویعكس الخطابات المهيمنة من التقاليد الإسلامية الشعبية و'المطلقات' الثقافية للحداثة الغربية على حد سواء ...
مرحلة مابعد الإسلامویة؟
مثل الكثير من العلماء والباحثین، یعتقد نبیل أیضا أن أمثلة الذاتيات للمسلمین يمكن اعتبارھا کما سمتھا نيلوفر جول ب "الموجة الثانية من الإسلامویة" والتي وصفھا آصف بيات بإشارتھ إلى فترة ما بعد الإسلاموية. وفقا للباحثة نیلوفر جول، المسلمون المنتمون إلى هذه الموجة یختلطون بالمساحات الحضرية الحديثة، ویستخدمون شبكات الاتصالات العالمية، ویشارکون في المناقشات العامة، ویتبعون أنماط الاستهلاك، ویتعلمون قواعد السوق، ویدخلون في الوقت العلماني، ویتعرفون على القيم المتميزة، والكفاءة المهنية، والنزعة الاستهلاكية، ویتفكرون في ممارساتها الجديدة ".
ووفقا لبيات، تركز رؤية "ما بعد الإسلاموية" على الدمج بين التدين والمطالبة بالحقوق والحريات، والتحرر من الجمود، وفكرة احتكار الحقيقة الدينية، والتعددية والمساواة بين أطياف المجتمع، والوصول إلى حلول وسطى. وبالتالي، فإنها تريد تحويل المبادئ الكامنة في الإسلاموية بالتأکید علی الحقوق بدلا من الواجبات، والتعددية بدلا من صوت الاستبدادية الفردية، والتاريخ بدلا من الكتاب المقدس المحدد، والمستقبل بدلا من الماضي ".
ويرى أن رغبة الأحزاب الإسلامية المتعددة في المشاركة في احتجاجات الربيع العربي و في المشاركة في التحول الديمقراطي لدولها يعتبر دليلا آخر على رؤیة ما بعد الإسلاموية. وأضاف أنه يعتبر الحركة الإصلاحية الإيرانية في أواخر 1990s، و الحركة الخضراء في الآونة الأخيرة، وحزب العدالة والرخاء الاندونيسي وحزب العدالة و التنمية الحاكمة في تركيا)كأمثلة تؤکد على هذه الظاهرة. " وقال بيات في مقالھ حول الشؤون الخارجية: ‘‘ وكانت كل منھا أصولية في البدایة، ولكنھا مع مرور الوقت أصبحت تنتقد انتھاکات اللاسلاموية ضد الحقوق الديمقراطية، واستخدامها للدين كأداة لتقديس السلطة السياسية"،. واضاف "انهم جمیعا اختاروا العمل ضمن دولة ديمقراطية في نهاية المطاف."
فھل ھذا کلھ يعني أن الإسلامویة ذھبت إلی الماضي؟ بالتأكيد لا. يجب ألا يتم قبول مثل هذا التحول بدون بعض المحاذير، مالم یتم النظر إلى هذه التحولات السياسية والثقافية كعلامات لمرحلة ما بعد الإسلامویة. لأن هذه التحولات لا تبدو شاملة. فإن العمل الثقافي من شأن الأفراد الذين لديهم وسائل الاعلام الاجتماعية، والمدونات والهواتف الذكية، لكن الفكر الإسلاموي قد تسرب إلی المجتمعات أیضا التي لا تملک هذه الوسائل. وليس ھذا بدون سبب أن الإسلامویة تنمو بسرعة فائقة في داخل أفريقيا اليوم. والسياسية ما بعد الإسلامية، أيضا، لا يزال تقتصر على مجرد حفنة من الأحزاب في عدد قليل من المجتمعات.
التغيير ملحوظ بالتأكيد ، و من الضروري أن نحيطھ علما ونشجعھ. يمكن أن الحالات ما بعد الإسلاموية، مثل استخدام الدعاة الإندونيسيين للتكنولوجيات الرقمية لتحدي التطرف أو التحول الديمقراطي للأحزاب الإسلامية، تكون بمثابة نماذج ینبغي نشرھا واعتمادھا في المجتمعات الأخرى. لكن هذه الأمثلة ينبغي أن ننظر إليها على أنها بداية لمنحنى بدلا من نهايته.
كما كتب بيات: "إن فئات 'الإسلامویة' و 'ما بعد الإسلامية" تخدم أساسیا النظريات التي تدل على التغيير، والاختلاف، وجذور التغيير. ومع ذلك، فإن المسلمين قد ینضمون في وقت واحد إلى جوانب كل من النظریتین. وظهور ما بعد الإسلاموية لا يعني بالضرورة نهاية تاریخ الإسلاموية. بل کل ما يعنيه هو ولادة النظریة السياسة المختلفة نوعيا والناتجة عن تجربة الإسلاميين،. ففي واقع الأمر، نشهد أحیانا عمليات كل من الأسلمة وبعد الأسلمة في وقت واحد".
سيف شاهين، كاتب في الموقع نیو إیج إسلام بشکل نظامي، هو باحث الدكتوراه في الاتصال السياسي في جامعة تكساس في أوستن، الولايات المتحدة الأمريكية.
ترجمھ من الإنجلزیة: غلام رسول، نیو إیج إسلام
10يوليو 2013
URL for English Article: https://newageislam.com/islam-politics/now,-get-ready-post-islamism/d/12502
URL for this Article: https://newageislam.com/arabic-section/now,-get-ready-post-islamism/d/12546