
البروفيسور هنري فرانسيس بي اسبيريتو، نيو إيج إسلام
(ترجمه من الإنجلزية: غلام غوث، نيو إيج إسلام)
إذا كان القدر منصفا لماذا هناك الكثير من المعاناة في هذا العالم؟ والفلاسفة واللاهوتيون وحتى عامة الناس يطرحون هذا السؤال الدائم. فكر الحكماء القدماء والمعاصرون في هذا السؤال، وكانت لهم أيضا بعض الإجابات على هذه المفارقة للحياة – الإجابات التي تملأ عدة مجلدات الكتب والأطروحات الفلسفية. وكذالك ، كنت ، من وقت لآخر ، ألقي الضوء على هذا السر الوجودي فاكتسبت بعض لمحات الحقيقة حول طبيعة المعاناة وقيمتها في بلوغنا الروحي. غير أنني لا أتظاهر لإعطاء الإجابة الشاملة على هذا السؤال القديم جدا. أشارك بأفكاري "غير المرغوب فيها" لأولئك الذين من الممكن أن يبحثوا الآن عن التعقل الوجودي في خضم معاناة شديدة وأوجاع شعروا بها في حياتهم. من المحتمل أن يكون فكري مصدرا للإلهام بالنسبة لهم ليعيشوا حياتهم مع المعاني، رغم الآلام والمعاناة.
ومع ذالك فإن تأملاتي في المعاناة ليست تأملاتي تماما. تم الإطلاع عليها والتأمل فيها من قبل قراءاتي الفلسفية والروحية لكتابات الحكماء والأولياء والصوفية الكرام. كما أعتقد أن التأملات العميقة لهؤلاء الحكماء الصوفية تحمل الكنوز الغنية للرؤي حول المعاناة ، فضلا عن المفاتيح التي تفتح الدواء الشافي السري الذي يسمح لنا في نهاية المطاف بالتغلب على الآلام والمعاناة، وذالك من خلال إفهامنا وتقدير القيمة التي تنجينا من المعاناة في طريقنا الروحي إلى الله سبحانه وتعالى ، وهذا هو الهدف الحقيقي لنا.
منظور الفلسفة البوذية: المعاناة التي تسببت فيها الرغبات العالمية والشهوات المادية
ملقيا نظرة خاطفة على عالمنا ، نجد الكثير من الأشياء والأحداث غير السارة التي تقع : الموت والظلم والجوع والاتجار بالبشر والكوارث الطبيعية والتي صنعها الإنسان والقسوة والوحشية والحروب والإرهاب والمرض المزمن والأوبئة وما إلى ذالك. إن العالم الظاهري في حالة الألم والمعاناة المستمرة. لا يتقصر الألم على مجرد العالم الخارجي، بل نعاني في العالم الداخلي (عالم النفس) أيضا لأننا نتمكن من إضرار أنفسنا أيضا. الشتائم من الناس والعلاقات المقطوعة وسوء التفاهم حول الأصدقاء والمشاعر المريرة تجاه شخص آخر والاضطهاد من الأعداء والحزن والملل والضجر ومشاعر الذنب وشهواتنا المادية – كلها يمكن أن تضرنا إضرارا شديدا.
فلماذا يجب أن نعاني؟ سدهارتا غوتاما بوذا مؤسس ديانة أو فلسفة البوذية تساءل أيضا عن هذه الحالة الكئيبة الهائلة التي تميز الوجود الإنساني. في الواقع ، كانت فلسفته تتويجا لبحثه الطويل عن إجابة شاملة على المعاناة. وأول بيان في أربع حقائق لبوذا هو: "الحياة مليئة بالمضايقات". هذه الحقيقة ذات الصلة بتأملاتنا في المعاناة التي إذا كان يتم التفكير فيها وإدراكها يعني حالما نرى الصورة الوجودية الكاملة لهذه الحقيقة نبدأ تجاوز المعاناة. من المنظور الفلسفي للبوذية ، حالما نقبل في الواقع صعوبات الحياة و وجود المعاناة كجزء من الفروق البسيطة للحياة ، فإن الحقيقة أن الحياة صعبة لم تعد تهمنا. هذا يعني أنه إذا تم قبول المعاناة والاعتراف بها كجزء من وجودنا الإنساني فإنها يمكن أن تكون نقطة الانطلاق للشفاء الروحي الخاص بنا. (إيم سكوت بيك ، The Road Less Travelled: A new psychology of Love, Traditional Values and Spiritual Growth لندن مكتبة إيرو للنشر ، عام 1990 : الصفحة 14-13)
ما هو السبب الرئيسي للمعاناة؟ المنظور البوذي يرد على ذالك ببساطة: "الرغبات بلا حدود". قال بوذا: "تقع المعاناة بسبب رغباتنا أو شهواتنا غير المحدودة". إن رغباتنا وشهواتنا غير المحدودة التي تحرض ضد الطبيعة الحقيقية للواقع هي أسباب آلامنا. على سبيل المثال، نود أن نكون أغنياء وذوي السمعة الجيدة من دون اضطراب ومن دون جهود. نود أن نكون العلماء الكبار دون السعي للتعلم. نود أن نكون سعداء وأحرارا دائما من كل مضايقة وإزعاج. نود أن نكون في صحة جيدة ، ولكن إذا نظرنا إلى الواقع شعرنا بالإحباط ، وذالك لأن جميع رغباتنا لا يمكن أن تكون راضية عما نريد. بما أننا نرغب ونشتهي دون حدود – ولكن طبيعة الواقع لا تسمح لرغباتنا غير المحدودة – فنشعر بالتذمر والتفجع: "يا له من عالم قاس!".
المنظور الوجودي الصوفي حول المعاناة كجزء لا يتجزأ من الحالة الناقصة التي تميز الوجود الإنساني
على النقيض من الموقف الدماغي والعقلاني المفرط للبوذية حول المعاناة ، فإن الصوفية الكرام يقدمون منظورا وجوديا أكثر عمقا فيما يتعلق بغرض المعاناة المتعلقة ب "حالتنا الإنسانية غير المرضية". قال أبو يزيد البسطامي الملقب بسلطان العارفين ، اسمه الفارسي "با يزيد" المرشد الصوفي الفارسي: "إن قبول حالتنا الإنسانية غير المرضية هي ترياق للمعاناة ، لأن كل من يعلم أن النفط في المصباح محدود ، لن يئن بعد خمود النفط. كل من يعلم أن المصباح الذي نوره غير محفوظ من الرياح الشديدة لن يصرخ بعد انطفاء المصباح". (سر دل (أسرار القلب) دكا ، بنغلاديش: مكتبة نكسبوندي ساهيت ، عام 1977 : الصفحة: 141). وكذالك تقبل الصوفية حتمية المعاناة كجزء من التركيبة الشاملة للواقع. ولذالك ، نحن مضطرون إلى قبول وجود المعاناة لتعقلنا الدماغي والروحي.
وأشار الشيخ مسيح الله خان الشيرواني الجشتي ، الولي والعالم الإسلامي الشهير في شبه القارة الهندية إلى حتمية المعاناة كجزء لا يتجزأ من وجودنا الإنساني. وقال: " المعاناة بصفتها ليست سلبية، بل تحدث مع كل شخص في هذا العالم الناقص – نحن نعاني لأن هذا العالم بعيد عن الكمال. المعاناة هي معادلة كبيرة ، ولذالك ، فإن المعاناة هي "متاحة" و "مستمرة" في هذا العالم الظاهري.....وهذا هو السبب أنني أدعو المعاناة حادثة محايدة. وهكذا نجعل ما يجعل المعاناة سلبية أو إيجابية. يقترب الشخص المستنير من الألم كنقطة الانطلاق تجاه كماله ونموه الروحي. ويرى المتشائم أنها حجر عثرة.....وكيف تراها وكيف ترد على تحدياتها ، هذا الأمر متروك لك". (المنقول في كتاب The Grace of Contenment and Surrender بقلم أبي بكر القادري ، بيشاور ، باكستان : مكتبة قادري للكتب ، عام 1975 ، الصفحة: 41).
القيمة الخلاصية والتحويلية من المعاناة حسب المنظور الصوفي الإسلامي
ومتحدثا في المنظور الروحي ، فإن المعاناة هي مفيدة إلا إذا علمنا هدفها التخليصي وغرضها التحويلي وهدفها التجاوزي. قال الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي الولي الكبير التركي إن الآلام والمعاناة ترشدنا لنكون قادرين على تحقيق "فكرة عالية للحياة". المعاناة تمكننا من التفكير أن الله تعالى وحده كافي لنا ونحن في حاجة إلى الخضوع لله سبحانه وتعالى في طاعته بكمال الثقة والرضا والشكر والامتنان والحلم والطاعة. (سي إيف.، رسائل النور : دي فليشس كلكشن ، استانبول ، سوزلر للنشر، عام 2004 : الصفحة : 27 و 28). علاوة على ذالك، هذا من خلال الشعور بالألم عند مواجهة وحل المشاكل أننا نصبح أقوياء روحيا وناضجين نفسيا في الحياة – وبالتالي نتعلم مواجهة الحياة في تحدياتها ووظائفها المتعددة الأبعاد. حسب ما قال الشيخ سعيد النورسي ، فإن العقلاء الحقيقيين لا يخافون من الألم والمعاناة، بل إنما يرحبون بها ويتعلمون منها ويصبون الشجاعة عليها ويجدون الحكمة فيها. وتجرباتنا للمعاناة تجعلنا حازمين وناضجين وطيبيين روحيا. بما أن تجربة الألم والمعاناة تحثنا على وضع ثقتنا على الله تعالى الرحمن الرحيم الذي يتيح لنا فرصة لتجربة المضايقات والصعوبات من أجل الخير لنا.
من خلال المعاناة والمضايقات فقط يمكن أن يحقق المرء الخبرة في الحياة والعيش. شاهد الشيخ جلال الدين الرومي الصوفي الشهير التركي في القرن الثاني عشر للميلاد باهتمام حالتنا الإنسانية ، ثم صاغ هذه الملاحظة الثاقبة جدا : "يحولك الله تعالى من شعور إلى آخر ويعلمكم من خلال الأضداد، كي تأخذون جناحين للطيران – وليس فقط أحدهما". (مختارات من المثنوي، إسلام آباد ، باكستان ، صحافة الروحانية ، عام 1985 ، الصفحة 76). حسب ما قال الشيخ الرومي رحمه الله تعالى ، فإن الحياة يتم تمييزها من خلال تناوب حركات الأضداد: الصراع والسلام ، والسلام والصراع ، المعاناة والسعادة ، والسعادة والمعاناة ، الألم والسرور والسرور والألم وما إلى ذالك. وجعل الله تعالى هذه الديناميكيات الروحية النفسية المتناوبة في النفس الداخلية للتطوير الأخلاقي والدماغي والعاطفي والروحي للإنسان.
وقوله تعالى : (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب) (8-94:5). إن فكرة الفلسفي الألماني المثالي هيغل توافق تماما مع الآيات القرآنية المذكورة أعلاه عندما قال إن "الصراعات والنزاعات والمواجهات والمجهودات هي قوانين التقدم والنجاح. تتطور التنمية الإنسانية في معركة العقل وفي أعمال الشغب للعالم. ولذالك ، لا يمكن أن يصل المرء إلى الاستقراء والهدوء إلا من خلال الصراعات والنزاعات والمجهودات. هناك لا أتحدث عن مجرد المجهودات في الاجتماع بل أيضا من منظور الجهود في النفس الداخلية للإنسان. تطوير الحياة وتحويلها دائما هو نتيجة دائما للصراع ..........الصراع ينقي التجربة...........المجهودات هي مركبات لتطور روح الإنسان". "(في هيلموت فيلهلم كوهن، روحانية هيغل، وينشستر: الموارد الانجليكانية المحدودة ، عام 1985؛ ص: 127).
وفي السياق نفسه، ردد بديع الزمان سعيد النورسي وجهة نظر لهيغل فيما يتعلق بالعلاقة الجدلية بين الصراع والتنمية. ومع ذلك، متجاوزا عن رأي هيغل، أشار الشيخ سعيد النورسي بقوة إلى أثر خلاصي للصراع في حياتنا الداخلية ونمونا الروحي نحو الربط العميق مع أعلى الحبيب. على حد تعبير الإمام سعيد النورسي: "عن طريق سوء الحظ والمرض والآلام وغيرها من الحالات الطارئة التي تحفز الحركة، ويتم تعيين تروس الجهازالإنساني في الحركة والثورة ... وهذه [أي المعاناة أو الصراعات] تحث الإنسان على الكدح والعمل لتحقيق الكمال. وهكذا عن طريق هذه الحالات الطارئة، يصبح الإنسان مثل القلم المتحرك ... يصبح القلم لكتابة أمر الله في حياته الخاصة جدا. ونتيجة لهذا، فإنه يصبح قصيدة لمجد الله تعالى" (رسائل النور : دي فليشيز ، الصفحة 28). وهكذا ، حسب ما قال الشيخ النورسي ، فإن المعاناة هي المكان الذي نصل من خلالها إلى مرتفعات التفوق الروحي والمركبة التي من خلالها نعبر عن عظمة الله سبحانه وتعالى في جميع مجهودات حياتنا.
ولذلك، إذا كنا نشتاق لتحقيق السعادة الحقيقية للمعيشة، علينا أن نتحمل جميع التجارب الصعبة والمؤلمة في الحياة. العظماء بما فيهم الرجال والنساء والأولياء والعلماء والشهداء والأبطال عانوا من الظلم والتعذيب والفقر والاضطهاد، وسوء الفهم. إنهم صمدوا بشجاعة مع مواصلة الحياة –رغم الصعوبات— و هذا بفضل الله تعالى ونعمته وإحسانه ورحمته . هذا هو السبب في أنهم يصبحون الأبطال والقديسين.إن مواجهة معاناتنا بالشجاعة والمثابرة والثبات والإيمان هي مصدرا للنعمة والطريق المؤكد إلى تقديسنا الداخلي وتحويلنا الروحي. وهكذا ، كما أعتقد ، أن الصوفية الكرام فهموا وأدركوا القيمة المحررة والمقدسة والمتعالية من المعاناة في حياتنا كإنسان. ونحن نمتلك إدراكا ناضجا أن الحياة تنطوي على السعادة والمعاناة على حد سواء. وبالتالي، لا ينبغي لنا أن نهرب من المعاناة لمجرد التمتع. بدلا من ذلك يتعين علينا أن نستخدم آلامنا ومعاناتنا كوسائل لنمونا العاطفي والفكري والروحي، لأننا نتعلم وندرك القيم الخلاصية والتحويلية من المعاناة حيث يمكننا فهم سر الحياة ومعناها وسعادتها.
اللهم ربنا أعطنا الاستقامة لمواجهة المعاناة والآلام في الحياة. اللهم أعطنا الصبر والشجاعة والعزم للتغلب على المعاناة والآلام بفضلك ورحمتك يا مجيب الدعوات ويا أرحم الراحمين ، آمين يا رب العالمين.
البروفيسور هنري فرانسيس بي اسبيريتو أستاذ مشارك في الفلسفة والدراسات الآسيوية في جامعة الفلبين سيبو. وكان المنسق الأكاديمي السابق لبرنامج العلوم السياسية في جامعة الفلبين سيبو من 2011 إلى 2014. وتشمل اهتماماته البحثية الدراسات الإسلامية وخاصة السنة الحنفية الفقهية والخطابات النسوية الإسلامية و الإسلام في مبادرات الحوار بين الأديان وحماية البيئة الإسلامية و كتابات الإمام الغزالي رحمه الله تعالى على التعددية والتسامح والتصوف التركي، والحوار بين المسلمين والمسيحيين، وشؤون الشرق الأوسط و دراسات السلام واللاهوت العام.
URL to read in English: https://newageislam.com/islam-spiritualism/the-spiritual-significance-suffering-perspective/d/103352
URL to read in Arabic: https://newageislam.com/arabic-section/the-spiritual-significance-suffering-perspective/d/103535