New Age Islam
Sun Jan 18 2026, 10:34 PM

Arabic Section ( 10 Jan 2014, NewAgeIslam.Com)

Comment | Comment

Whatever Happened To The Arab Spring? ماذا حلّ بالربيع العربيّ؟

 

بقلم مضاوي الرشيد

 بعد مرور ثلاث سنوات على الربيع العربيّ، ما زال الكلام عن المنطقة يُصاغ في أغلب الأحيان باستخدام أضداد ثنائيّة، كالجمهويّات المضمحلّة مقابل الملكيّات الصامدة والانقسام العلمانيّ مقابل الانقسام الإسلاميّ والانشطار السنيّ مقابل الانشطار الشيعيّ.

ومع أنّه لا يمكن إنكار التجلّيات العنيفة لهذه الأضداد، إلا أنّ الوقت قد حان للنظر إلى أبعد من الاستقطابات المتعدّدة الجليّة التي تخفي حقيقة جوهريّة، ألا وهي انهيار نظام جمهوريّ وملكيّ قديم أو شبه انهياره من دون التقدّم بنجاح نحو صيغة جديدة ومستقرّة. فعلى الرغم من مرور ثلاث سنوات على الاحتجاجات وإراقة الدماء في الجمهوريّات والتعبئة الضعيفة في الملكيّات، ما زال العالم العربيّ بعيداً كلّ البعد عن التخلّص من النظام القديم أو الانتقال بشكل مستقرّ إلى ما أسمّيه ديمقراطيّة.

تكّون النظام السياسيّ القديم إمّا من حكومات عسكريّة ترأسها النخبة القوميّة ما بعد الاستعمار وإمّا من سلالات حاكمة وراثيّة ثبّتتها في موقعها السلطات الاستعماريّة الراحلة. في الجمهوريّات والملكيّات على حدّ سواء، اندمجت الطبقات الحاكمة كنتيجة لتحقيق الهيمنة العسكريّة واحتكار الموارد الاقتصاديّة والدعم الأجنبيّ ونوع من الشرعيّة القوميّة أو الدينيّة. ومن ناحية الممارسة، لم تظهر أيّ اختلافات بنيويّة مهمّة بين الجمهوريّات والملكيّات لأنّ الاثنتين مارستا السلطة من دون تمثيل ولا مساءلة ولا شفافيّة ولا مساواة.

وفي الجمهوريّات والملكيّات على حدّ سواء، اتّسعت الطبقات الحاكمة. لكنّها لم تحاول جدّياً أن تكون شاملة أو عادلة. وحاول الحكّام تحرير أنظمتهم السلطويّة بتشكيل شبه برلمانات فارغة، وتوسيع نطاق بيروقراطيّة الدولة لاستيعاب العاطلين عن العمل، وإنشاء أنظمة اقتصاديّة مركزيّة في محاولة للتوصّل إلى نموذج أسواق نيوليبراليّ استفاد منه طبعاً أصحاب السلطة وجماعاتهم الكبيرة الوفيّة إلى أقصى الحدود. وقد أخفى اقتصاد الخدمات حقيقة رأسماليّة المحاسيب والأسواق غير الشفّافة التي نما فيها الفساد والمحسوبيّة في غياب البنى الشرعيّة والشفافيّة.

وبعد تدمير مجتمع سياسيّ قابل للحياة من جميع الجهات (اليسار واليمين والوسط)، برز فراغ اعتقد عدد كبير من القادة العرب أنّه بالإمكان ملؤه بإسلام سياسيّ قويّ يركّز على مسائل كأسلمة المجتمع والعودة إلى شريعة الله والتخلّص من القيم والمعايير الخارجيّة غير المرغوب فيها.

واعتقد الرؤساء والملوك العرب أنّهم سيظلّون محصّنين في وجه رياح التغيير السياسيّ طالما أنّ الإسلام السياسيّ يركّز على المجتمع وتقواه. فتساهلوا مع نزعات محافِظة اجتماعيّاً كالسلفيّة، وقمعوا الإسلاميّين المسيّسين الذين يجاهرون بآرائهم، مثل جماعة الإخوان المسلمين وفروعها. وفي بلدان كالمملكة العربيّة السعوديّة، بنى السلفيّون مجتمعاً مهووساً بالطهارة والتقوى والخضوع وميّالاً إلى تخليد الملكيّة المطلقة. وفي مصر، اعتُبر السلفيّون بديلاً جيّداً عن جماعة الإخوان المسلمين المسيّسة.

وقد سعى جميع الإسلاميّين إلى السيطرة على حصصهم في السوق، فروّجوا لرأسماليّة مخادعة من شأنها أن تضمن لأصحاب المبادرات الفرديّة الصاعدين مكاناً على الخارطة الاقتصاديّة والسياسيّة للعالم العربيّ، وقد بات هذا العالم ينجذب أكثر فأكثر إلى الأسواق العالميّة على أمل تحقيق الأرباح. وحرص الإسلاميّون على أسلمة كلّ شيء من المصارف إلى دمى "باربي"، في محاولة لقولبة المجتمع وأيضاً الاقتصاد. وبقيت السياسة غامضة ومحيّرة لأنّها ظلّت خاضعة لسيطرة محكمة من قبل الفريق القديم.

في الوقت نفسه، قام القادة العرب بجميع أطيافهم بتغذية قواعدهم الانتخابيّة الليبراليّة أو العلمانيّة المزعومة في حال احتاجوا إليها في مواجهات مستقبليّة مع الإسلاميّين. وقد أدّى ذلك إلى شرخ كبير بين القواعد الانتخابيّة الليبراليّة والإسلاميّة المزعومة، وبالتالي إلى انقسام إيديولوجيّ يتعذّر حلّه، لم يؤثّر في المجتمع بأسره فحسب بل في العائلات أيضاً. وحجب الشرخ الإيديولوجيّ واقع أنّ الانقسام العلمانيّ-الإسلاميّ كان في غالب الأحيان قناعاً يخفي وراءه انقسامات ومنافسة اقتصاديّة أكبر. ففي الكثير من البلدان، كان العلمانيّون والإسلاميّون يحاولون استمالة الأنظمة، لكنّ هذه الأخيرة لم ترَ أيّ فائدة من التسوية لأنّها تستطيع الاستمرار في تطبيق سياسة "فرّق تسد" طالما أنّ القواعد الانتخابيّة منقسمة.

لم يكن الإسلاميّون قَدَر العالم العربيّ، لكنّهم ملأوا بلا شكّ فراغاً سبّبه القمع والإقصاء في وقت كان فيه التحرّر من الحكم السلطويّ يفتقر إلى خطاب يساهم في تحقيقه. وبالتالي، أدّى الانقسام العلمانيّ-الإسلاميّ دوراً مهمّاً في شرذمة الجمهور العربيّ وضمان استمرار الحكم السلطويّ. ومن شمال إفريقيا إلى شبه الجزيرة العربيّة، تقرّبت الأنظمة من الإسلام السياسيّ مع أنّها بدت في مواجهة معه. وكانت العلاقة بين الاثنين علاقة حبّ وكراهية على الرغم من المواجهات المتعدّدة. فقد خدم الإسلام السياسيّ أهدافاً مهمّة، ولم يتمّ قمعه إلا عندما كان يشكّل خطراً على الأنظمة، لا على المجتمعات.

في السياق نفسه، الشرخ السنيّ-الشيعيّ المذهبيّ في الكلام الشائع عن المنطقة ليس قدراً محتوماً ينكشف في كلّ زاوية من زوايا العالم العربيّ. لا شكّ في أنّ التوتّر الطائفيّ وحتّى القتل شائعان ومنتشران في مجتمعات متنوعّة مثل سوريا والعراق ولبنان والمملكة العربيّة السعوديّة واليمن والبحرين، لكنّ هذه الطائفيّة نمت بشكل خاصّ في المناطق التي إمّا كان الاستقصاء فيها مترسّخاً وإمّا الأنظمة نفسها طائفيّة. وقد جذبت الجمهوريّات والملكيّات على حدّ سواء النخب الطائفيّة وكافأتها على ولائها. لكنّها استمرّت في إقصاء بقيّة الجماعات. وبحثت الأنظمة عن وسطاء رمزيّين بدلاً من ممثّلين، ما سمح لانتهازيّين شعبويّين طائفيّين بإيهام أتباعهم بمثاليّات تتعلّق بسياسات الهويّة وتعد بالتحرير والمساواة والقوّة. وباتت مقاومة الإقصاء من أروقة السلطة والاقتصاد مترسّخة في لغة الهويّة الطائفيّة. فقد اعتمد السنّة والشيعة على حدّ سواء خطاب المظلوميّة أي الظلم التاريخيّ الذي وقعوا ضحيّته بسبب مذهبهم، غافلين عن رؤية جذور الإقصاء الحقيقيّة التي نمت في ظلّ الحكم السلطويّ. كانت الأنظمة إذاً تجامل الطوائف في محاولة لاستغلالها في وجه خصومها السياسيّين، أو تقمعها لإرضاء قواعدها الانتخابيّة الأوسع.

وقد أدّى التعامل مع هذه البيئة الطائفيّة المعقّدة والمتفجّرة إلى مشاكل متراكمة يواجهها العالم العربيّ حاليّاً، علماً أن احتمال تخطّي الانقسام السنيّ-الشيعيّ  ضئيل جدّاً. فهذا الانقسام لا يتعلّق بالأكثريّة والأقليّة، بل بالحكم السلطويّ واللعبة السياسيّة المترتّبة عنه.

في الواقع، يصعب وصف الأنظمة العربيّة بأنّها سنّية أو شيعيّة، فولاؤها يعود إلى أفراد عائلاتها ومجموعة من الموالين لها الذين ليسوا بالضرورة من دينها. وقد أوجدت هذه الأنظمة مفهوماً أعوج للعلمانيّة خاصّاً بها، تغذّيه متطّلبات حكم شعب محروم من الحقوق مؤلّف من سنّة وشيعة على حدّ سواء، بالإضافة إلى مجموعات أخرى غير مسلمة. ويسود الشكّ في ما خصّ التزام هذه الأنظمة بتعزيز مصالح الأشخاص من دينها، لأنّ هدفها الأساسيّ ينصبّ على إحكام قبضتها على السلطة والموارد. ومع أنّ إيمان الرؤساء والملوك ليس من شأن أحد، إلا أنّ أيّ توجّه دينيّ يعبّرون عنه أو موارد ينفقونها على مشاريع دينيّة تهدف في الدرجة الأولى إلى تحقيق غاياتهم السياسيّة. وقبل أن يربط الإسلاميّون الدين بالسياسة، كان الدكتاتوريّون العرب قد سبقوهم وأتقنوا هذا الفنّ. فقد رأوا في الدين رأس مال سياسيّاً يمكن استثماره بهدف الربح، لكنّ هذه الصفقة استتبعت في بعض الأحيان القتل وإراقة الدماء. ليس من المفاجئ إذاً أنّ أولئك المعارضين لهم لجأوا إلى اللعبة القديمة نفسها، أي البحث عن الخلاص في الدين لتحقيق غايات سياسيّة واقتصاديّة.

وقبل أن نبدأ بابتكار حلول سحريّة لمنطقة تتخبّط في مخلّفات نظام سياسيّ قديم متداعٍ وتداعيات التوزيع غير العادل للموارد المضمحلّة، من الضروريّ تحديد الأسباب الفعليّة التي حالت دون الانتقال إلى سياسة مستقرّة، ناهيك من الديمقراطيّة. فلا فائدة من الاستمرار في تكرار الأضداد الثنائيّة المذكورة آنفاً.

لقد أصبح من الملحّ أن يهتزّ أساس النظام العربيّ القديم. وهذا لا يعني استبدال حاكم بحاكم آخر قد يتّضح لاحقاً أنّه أسوأ من سلفه، بل تغييراً بنيويّاً لاستبدال أساس الحكومة الضيّق بقاعدة أوسع تمهّد الطريق للاندماج السياسيّ والاقتصاديّ. وأيّ حلّ آخر سيكون بلا جدوى ويطيل المواجهات. ربّما كانت الثورات العربيّة الجولة الأولى من سباق طويل بدأ بالفعل وقد يتوقّف مؤقتاً، لكنّه بلا شكّ سينطلق مجدّداً في المستقبل. وربّما كانت السنوات الثلاث الأخيرة موجة ديمقراطيّة رابعة، لكنّ كلّ المؤشّرات تبيّن أنّ ثمّة موجات أخرى تلوح في الأفق في انتظار اللحظة المناسبة.

مصدر المقالة العربية:  

http://www.almonitor.com/pulse/ar/contents/articles/originals/2013/12/arab-spring-three-years-later.html

مصدر المقالة الإنجليزية:

http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2013/12/arab-spring-three-yearslater.html?utm_source=&utm_medium=email&utm_campaign=8755&utm_term=*Mideast%20Brief

9 ينايير 2014

URL for English article: https://newageislam.com/the-war-within-islam/whatever-happened-arab-spring/d/34917

URL: https://newageislam.com/arabic-section/whatever-happened-arab-spring-/d/35218


Loading..

Loading..