
بقلم هارون يحيى
3 ينايير 2014
إن على جميع المسلمين أن يعتنقوا أسلوب اللين والرأفة والمحبة والاعتدال وذالك وفقا لما جاء في القرآن الكريم.
إن الأصولية أو "الراديكالية" هي تعني دعم التغيرات المخربة الثورية المفاجئة وتوفير السياسات العنيفة الصارمة التي تساعد على إنجازها. ويتميز الأصوليون بميلهم للتغيير الثوري والعنيف، ويتبنون أحيانا موقفا عدائيا.
ومن هذا نرى أن هناك دليل للمسلم في القرآن عن كل مجال من مجالات الحياة. فعندما ننظر إلى الأصولية في ضوء القرآن، نجد أنها لا تتفق مع أخلاق المؤمنين التي أمرهم الله بها. يصف الله المؤمن في القرآن بأنه إنسان محب حسن الكلام، يتجنب النزاع والجدال ويتقرب إلى الناس، حتى الأكثر عداوة منهم، بالدفء والود.
وقد ضرب الله لنا مثلا بتلك الأخلاق في قصة موسى وهارون مع فرعون:
"اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى". (طـه: 43-44).
كان فرعون من أكبر الكافرين العصاة القساة في زمنه، وكان الطاغية الذي أنكر وجود الله وعبد الأصنام، علاوة على ذلك فقد عرّض المؤمنين (الإسرائيليين في ذلك الوقت) للقتل والعذاب الرهيب. ومع ذلك فقد أمر الله أنبيائه بالذهاب لهذا الرجل والتحدث معه بلين ولطف.
وستلاحظ أن الطريق الذي أوصى به الله هو طريق الحوار الودود، ليس طرق النزاع بالكلمات الحادة والشعارات الغاضبة والاعتراضات الثورية .
وهناك عدة أمثلة تبين للمسلمين كيفية التصرف في مثل هذه المواقف مثل ما حدث بين نبي الله شعيب والكافرين :
" وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ * قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ" (هود : 84-88)
"إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وِإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرا" (النساء : 58)
نلاحظ أن شعيب دعا شعبه لتقوى الله والتزام الأخلاق السامية وذلك بكل ود ولطف، وهنا نوضح بعض المفاهيم والأسباب الكامنة خلف ما ورد في هذه الآيات:
عندما قال شعيب لقومه "ما أنا عليكم بحفيظ" لم يكن يريد أن يسيطر عليهم بل قصد فقط إخبارهم بالحقيقة التي وضحها الله.
" إنك لأنت الحليم الرشيد" هذه هي كلمات الكافرين لشعيب التي توضح مدى لطفه وأدبه، وهم بأنفسهم من أقروا بذلك.
" قال يا قوم أرأيتم إن كنتم على بينة" هذه الكلمات التي استعملها شعيب تدل على أنه يدعوا الكافرين لتحكيم عقولهم وضمائرهم. بمعني آخر فهو لم يضغط عليهم ولكنه ناقش عقولهم ودعاهم للتوصل للحقائق بناءا على ما تدلهم عليه أفكارهم وضمائرهم.
" وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه" وتحريم شعيب هنا ليس تحريما بمعني الكلمة ولكنه يوضح بعض الشرور ويدعو الناس لتركها. وقال أيضا "وما أريد أن أخالفكم" فغرضه ليس معارضة الناس وهو لا يريد أن يثيرهم أو يحرض على النزاع ولكنه يريد فقط أن يدعوهم للإيمان واعتناق الأخلاق والمبادئ السامية.
إذا تدبرنا القرآن الكريم نجد أن جميع الأنبياء اتصفوا بالهدوء والسكينة والتسامح. يصف الله نبيه إبراهيم قائلا : "إِنَّ إِبْرًاهٍيم لأًوّاهٌ حَلِيمٌ" (التوبة : 114) .
وفي آيات أخرى يصف أخلاق سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قائلا:
"فَبِمَا رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلىَ اللهِ إِنَّ الله يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ" (آل عمران : 159) .
الغضب والانفعال هو أهم ما يميز الأصولية. ترى هذه الصفة بوضوح في خطب وكتابات ومظاهرات الأصوليين. ،فالانفعال ليس من خصائص المسلمين، ويصف الله تعالى المؤمنين في القرآن قائلا:
"الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِيْنَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبَّ المُحْسِنِينَ" (آل عمران : 134) .
فليس هناك ما يستدعي غضب المسلم، فكل ما يريده من الآخرين هو الإيمان بالله والعيش بالأخلاق والمبادئ السامية، وهذا فقط من نعمة الله على الناس. ومهما نحاول أن نفعل أو نوضح الحقيقة للناس إلا أن قلوبهم وهدايتهم بأمر الله وحده . ويذكر الله للمسلمين هذه الحقيقة الهامة في الآية التالية :
"أَفَلَمْ يَيْأَس الَّذِينَ آمنُوا أَنْ لَوْ يَشَاء اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا" (الرعد : 31).
وتتضح هذه الحقيقة في آية أخرى : "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنينَ" (يونس : 99)
إذا، فواجب المسلم هو أن يوضح الحقائق ويدعو الناس لقبولها. أما قبول الناس أو رفضهم للدعوة فيرجع فقط لإرادتهم الحرة . ويوضح الله هذه الحقيقة عندما يقول إنه لا إكراه في الدين:
"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمن بِالله فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (البقرة : 256)
"بالنسبة إلى الإرهابيين، يُعتبر قتل الأبرياء والتدمير والتخريب أسلوبا في الحياة. وهم يتعمدون إراقة الدماء. فهم يقتلون الأبرياء، ويفجرون الأطفال ويهدمون البيوت بلا رحمة."
إذن، لا إكراه للناس لترك عقائدهم واعتناق الإسلام، ولا إجبار للمسلمين لأداء الصلوات واجتناب المعاصي، هناك فقط النصيحة.
ويوضح الله لرسوله عليه الصلاة والسلام في بعض آياته أن المسلمين ليسوا طغاة:
"نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالقُرآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ" (ق : 45)
"قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ" (يونس : 108)
إنّ مسئولية المؤمنين هي شرح دينهم، دون إكراه أو ضغط على أحد، وقد أُمروا أن يدعوا بالحكمة حتى مع أكثر الكافرين قسوة. ومثل هؤلاء الدعاة لا يمكن أن يكونوا أصوليين، لأنّ الأصولية تنتهج عكس كل ما ذكرناه. والأكيد أن الأصولية ليست تيارا إسلاميا وإنّما نتجت عن فكر ووضع سياسي وفد إلى العالم الإسلامي من الخارج. وعندما ندرس تلك الظاهرة الاجتماعية المسماة بالأصولية ، نجد أنها تجمع الأساليب والأفكار التي تبناها الشيوعيون في الماضي. فتعبير "التعصب الأعمى" لا نجده في الإسلام:
"إِذْ جَعَلَ الله الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِليَّةِ فَأنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمُهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيءِ عَلِيمًا". (الفتح : 26)
يجب على كلّ المسلمين رفض التعصب كليا، فالجدل والإصرار على الرأي يعارض ما جاء في القرآن الكريم، بل يجب على المسلم أن يتبنى موقفا هادئا متسامحا ورحيما. ويجب أن يكون المسلمون مثالا للعالم في حكمتهم وتسامحهم واعتدالهم وتواضعهم وسلمهم. وكذلك يجب أن يكونوا صورة نقية للإسلام ليس فقط بهذه الصفات ولكن أيضا بإنجازاتهم في ميادين العلم والتراث والفن وكل متطلبات المجتمع.
ومن واجبات المسلم كذلك توضيح الأفكار الصحيحة للإسلام وحمايته من الفكر الدخيل. يوضح الله في هذه الآية ما يجب أن يكون عليه المسلمون تجاه الآخرين:
"ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِي أَحْسَنُُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (النحل : 125)
المصدر لهذه المقالة : http://ar.harunyahya.com/
URL for English article: https://newageislam.com/islam-spiritualism/qur’an-wants-faithful-be-caring/d/10991
URL for this article: https://newageislam.com/arabic-section/qur’an-wants-faithful-be-caring/d/35121