
غلام رسول، نیو إیج إسلام
من ممارسات الصوفیة المتوارثة زیارة القبور التي لھا صلة تاریخیة إسلامیة والتي یؤیدھا علماء التیار الرئیسي للإسلام استنادا إلی الدلائل القاطعة والبراھین الواضحة من القرآن الکریم والأحاديث النبوية. ویبدو لکل فاحص مطلع وخاصة لکل من لھ إلمام بالآيات القرآنية المتعلقة والأحاديث النبوية أن زيارة قبور المسلمین الصالحین وخصوصا ضریحة النبي عليه الصلاة والسلام وسيلة نبيلة لكسب الفضائل والحسنات والخيرات. وھذہ الممارسة تجلب لنا بعض القيم الأخلاقية الهامة أیضا، وتوجه التأثيرات الروحية على عقول الناس. فإذا زرنا مقبرة ساکتة حيث یتساوي الجميع، فقراء كانوا أو أغنياء، ضعفاء أو أقوياء، يمكننا أن نتغلب على شرور أنفسنا من الجشع، والحقد، والطمع، والکبر، والرغبات الدنيوية الأخرى. فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام مشیرا إلی نفس النقطة الحاسمة في حدیثھ التالي:
‘‘وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنّها تزهّد في الدّنيا وترغب في الآخرة’’ (صحح ابن حبّان 3/261 رواية رقم: 981، سنن ابن ماجة 1/501 رواية رقم: 1571).
زیارة القبور في ضوء القرآن الکریم
ویثبت القرآن الکریم أیضا زيارة القبور عندما يقول للنبي عليه الصلاة والسلام:
‘‘ وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ’’ (84)
أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يَبْرَأ من المنافقين، وألا يصلي على أحد منهم إذا مات، وألا يقوم على قبره ليستغفر له أو يدعو له؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله، وماتوا عليه. وهذا حكم عام في كل من عرف نفاقه، وإن كان سبب نـزول ھذہ الآية مقتصرا في شأن عبد الله بن أُبَيّ بن سلول رأس المنافقين، كما قال الإمام البخاري رحمھ اللہ:
‘‘حدثنا عُبَيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله -هو ابن أبي -جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه يُكَفِّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما خيرني الله فقال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ وسأزيده على السبعين". قال: إنه منافق! قال: فصلى عليه [رسولُ الله صلى الله عليه وسلم] فأنـزل الله، عز وجل، آية: ( وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ )’’
وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، به ۔ثم رواه البخاري عن إبراهيم بن المنذر، عن أنس بن عياض، عن عبيد الله -وهو ابن عمر -العمري -به وقال: فصلى عليه، وصلينا معه، وأنـزل الله: ( وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا ) الآية. وهكذا رواه الإمام أحمد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله، به ۔ وقد رُوي من حديث عمرَ بن الخطاب نفسه أيضا بنحو من هذا، فقال الإمام أحمد:
حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: سمعت عمرَ بن الخطاب، رضي الله عنه. يقول لما تُوفي عبد الله بن [أبي دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة تحولتُ حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله، أعلى عَدُوِّ الله عبد الله بن] أبي القائل يوم كذا: كذا وكذا -يُعَدِّد أيامه -قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: "أخِّر عني يا عمر، إني خُيِّرت فاخترتُ، قد قيل لي: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80] لو أعلم أنى إن زدت على السبعين غُفر له لزدت". قال: ثم صلى عليه، ومشى معه، وقام على قبره حتى فُرغ منه -قال: فَعَجَبٌ لي وجراءتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ورسوله أعلم! قال: فوالله ما كان إلا يسيرًا حتى نـزلت هاتان الآيتان: ( وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ) فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق، ولا قام على قبره، حتى قبضه الله، عز وجل.
وقال الإمام أبو جعفر الطبري: حدثنا [أحمد بن إسحاق، حدثنا] أبو أحمد، حدثنا حماد بن سلمة، عن يزيد الرقاشي، عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي على عبد الله بن أبيّ، فأخذ جبريل بثوبه وقال: ( وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ )
وقال قتادة: أرسل عبد الله بن أبيّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض، فلما دخل عليه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أهلكك حبّ يهود". قال: يا رسول الله ، إنما أرسلتُ إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتؤنبني! ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه أن يكفن فيه أباه، فأعطاه إياه، وصلى عليه، وقام على قبره، فأنـزل الله، عز وجل: ( وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ )
وقد ذكر بعض السلف أنه إنما ألبسه قميصه؛ لأن عبد الله بن أُبيّ لما قدم العباس طُلب له قميص، فلم يُوجَد على تفصيله إلا ثوب عبد الله بن أُبيّ؛ لأنه كان ضخمًا طويلا ففعل ذلك به رسول الله صلى الله عليه وسلم، مكافأة له، فالله أعلم، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نـزول هذه الآية الكريمة عليه لا يصلي على أحد من المنافقين، ولا يقوم على قبره.
ولما نهى الله، عز وجل، عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم ، كان هذا الصنيعُ من أكبر القُرُبات في حق المؤمنين، فشرع ذلك. وفي فعله الأجر الجزيل، لما ثبت في الصحاح وغيرها.
الأحادیث النبویة في الحث على زيارة القبور
وسبق أن أثبتنا أن الصوفیة لا يخالفون في إباحة و استحباب زيارة القبور نصوص القرآن الکریم۔ و کذالک لا یتعارض عملھم ھذا مع الأحادیث النبویة، بل الحق أن السواد الأعظم من المسلمین متفقون على ذلك إلاّ من شذّ منهم، فهذا نبينا الکریم (علیھ الصلاة والتسلیم) يرخّص للمسلمين زيارتها ويحثهم على ذلك من خلال بيانه لما في زيارتها من ثمار کثیرة، وآثار جليلة، وفوائد جمّة:
عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ( ... نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها...) ( صحيح مسلم 2/672 رواية رقم: 977 و 3/1563 رواية رقم: 1977، صحيح ابن حبّان 7/439 رواية رقم: 3168 و 12/213 رواية رقم: 5391 و 12/221 رواية رقم: 5400 ),
وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (... وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنّها تزهّد في الدّنيا وترغب في الآخرة) (صحح ابن حبّان 3/261 رواية رقم: 981، سنن ابن ماجة 1/501 رواية رقم: 1571).
وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال: ( نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن فيها عبرة) ( المستدرك على الصحيحين 1/305 رواية رقم: 1386، سنن البيهقي 4/77، مسند أحمد 3/38).
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ( نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنّها تذكركم الموت) (المستدرك على الصحيحين 1/531 رواية رقم: 388).
وفي رواية أخرى أخرجها الحاكم أيضاً أن أنساً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنّه يرق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة ولا تقولوا هجرا) (المستدرك على الصحيحين 1/532 رواية رقم: 1392).
وفي رواية أخرى للحاكم النيسابوري يرويها بسنده عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: ( إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فمن شاء أن يزور قبراً فليزره، فإنّه يرق القلب ويدمع العين ويذكر بالآخرة) ( المستدرك على الصحيحين1/532 رواية رقم: 1394، وانظر سنن البيهقي 4/77 رواية رقم: 6990).
وعن عبد الله بن أبي ملكية قال: ( إن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرّحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، كان نهى ثم أمر بزيارتها) ( المستدرك على الصحيحين 1/532 رواية رقم: 392، سنن البيهقي الكبرى 4/78 رواية رقم: 6999).
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ( ... إنّي كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنّها تذكركم الآخرة ... ) ( مسند أحمد بن حنبل 2/111 رواية رقم: 1235).
فثبت من ذالک کلھ أنّ القبور مواقع لتذکر الآخرة و مواطن لاستجابة الدعاء والارتباط بالله عزّ وجل والانقطاع إليه، إضافة إلى الفوائد الكثيرة الأخرى. وإذا كان من الممکن أن نجني مثل هذه الثمار والفوائد (التي ذكرتها الکثیر من الأحادیث و الروايات المذکورة أعلاہ) بزيارتنا لقبر الإنسان العادي، فلا شك أن الفوائد التي نجنيها من زيارتنا لقبور الأنبياء والأئمة (رضی اللہ عنھم أجمعین) تكون أكبر وأكثر وأوفر.
جواز زيارة النساء للقبور
وقد اختلف أهل العلم في زيارة النساء للقبور، فجوزها الجمهور، وسبب الخلاف فيها ما ثبت من لعنة الزوَّارات في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: لعن الله زوَّارات القبور. (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه) وعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ‘‘كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة’’. (رواه أحمد) نسخ ذالک الحدیث۔ وقد ذكر الحاكم في المستدرك نسخ الحديث الأول بالثاني، ووفق القرطبي بينهما۔ ويدل علی زيارة النساء للقبور ما ذکرہ الإمام مسلم رضی اللہ عنھ في صحيحھ ‘‘أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عائشة رضي الله عنها: أن جبريل قال له: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم. قالت عائشة رضي الله عنها: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين المسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون.’’
وكذلك يدل علیھا إقرارالنبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي مر بها تبكي عند قبر، كما في البخاري من حديث أنس رضي الله عنه قال: ‘‘مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله واصبري.’’ قال ابن حجر في الفتح محتجًّا بالحديث على جواز زيارة النساء للقبور۔ وموضع الدلالة منه أنه لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريره حجة. ولکن زیارة النساء للقبور لا تجوز إن لم تکن السلامة من وقوع محرم كمخالطة الأجانب وتضييع البيوت أو قيامهنَّ بالصياح أو غير ذلك.
17 مایو 2013م
URL for Englihs Article:
URL for this Article: https://newageislam.com/arabic-section/shrine-visitors-grave-worshipers-/d/11634