New Age Islam
Sat Jan 24 2026, 10:54 AM

Arabic Section ( 28 Jan 2013, NewAgeIslam.Com)

Comment | Comment

Tripoli Emerging as Sectarian Battlefield طرابلس تدفـع ثمـن الأزمة السورية دمـاء ودمـاراً.. وتطرفاً

غسان ريفي

ثمة خلاصتان يمكن الخروج بهما من عاصمة الشمال في ضوء أحداث العام 2012: الأولى، أن المدينة دفعت ثمنا باهظا من أمنها واقتصادها في معركة محاولة إسقاط ابنها نجيب ميقاتي وحكومته. والثانية، أن بعض المشاريع السياسية حولتها الى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات على خلفية النيران السورية المشتعلة منذ سنتين، من دون أن يتوفر لها من يشاركها سياسيا وأمنيا في دفع الضريبة السورية على الساحة اللبنانية.

من طرابلس، أرادت المعارضة اللبنانية وعلى رأسها «تيار المستقبل» إسقاط الحكومة الميقاتية سياسيا. ومنها حاولت استهداف «حزب الله» ومنها عملت على دعم المعارضة المسلحة في سوريا بهدف إسقاط النظام السوري. ذلك استوجب استخدام أسلحة التحريض السياسي والمذهبي وتوزيع المال السلاح، وكانت النتيجة تنامي مجموعات تكفيرية وجهادية، أطلت بوجوه وأسماء متعددة، ووراحت تفرض سلطتها على الشوارع عبر منابر المساجد غير الخاضعة لأي سلطة رقابة تارة، وعبر أمراء الأحياء والزواريب وما يعرف بقيادات المحاور التقليدية في المناطق الساخنة في التبانة والقبة والمنكوبين وجبل محسن تارة أخرى.

وشكلت الحالة السلفية التي ذاع صيتها في طرابلس عامل جذب كبيرا لكل وسائل الاعلام، بعدما وجد فيها كثير من المسلحين غطاء وحماية، وبعدما وجد عدد من مشايخها أنفسهم فجأة في دوائر القرار.

لكن هذه الحالة بقيت عصية على التعاضد والتعاون والتنسيق في ما بينها، وبقي كل جناح من أجنحتها يغرد بمفرده بعيدا عن الآخر، وذلك باستثناء حالة الشيخ سالم الرافعي الذي عمل على تنظيم أنصاره، من خلال تشكيل مجلس شورى ضم عددا من الكوادر الفاعلة، وفي مقدمها الشيخ حسام الصباغ (المطلوب بمذكرات توقيف بتهمة الانتماء الى «القاعدة») والشيخ نبيل رحيم الذي كان مسجونا في رومية بالتهمة نفسها، إضافة الى السلفية العلمية المتقدمة وعلى رأسها الشيخ صفوان الزعبي وهي سلفية ترفض التطرف وتدعو الى الحوار، والى تفاعل كامل بين القيادات السنية والشيعية لمواجهة الفتنة.

أمراء يتحكمون في المدينة

في طرابلس أيضا، تحكم أمراء الشوارع في الأرض، وكانت النتيجة ضرب الهيبة الأمنية على قاعدة الأمن بالتراضي وتحول القوى الأمنية الى قوات فصل وليس الى قوات ردع، وفقدانها القدرة على توقيف أي مخل بالأمن برغم كل شعارات «الضرب بيد من حديد ومنع المظاهر المسلحة في البيانات السياسية المتشابهة التي تصدر عند كل جولة عنف تشهدها المدينة».

هذا بالاضافة الى «فرملة» بعض المساعي الخيرة من خلال تغييب مفتي طرابلس الشيخ مالك الشعار الذي غادر لبنان مؤخرا حرصا على سلامته بعدما وصلته تهديدات مباشرة نقلها إليه ضبــاط من فرع المعـلومات في قوى الامن الداخلي.

وكان الشعار أصدر أكثر من فتوى تحرم استخدام السلاح في طرابلس، لكن مواقفه السياسية الأخيرة دفعت المسؤول السياسي لـ«الحزب العربي الديموقراطي» رفعت عيد الى رفض وساطته معتبرا أنه بات طرفا سياسيا.

هذا الواقع، دفع كثيرين من المستفيدين أو المدفوعين أو أصحاب المشاريع أو المصطادين بالماء العكر، الى استسهال تشويه صورة طرابلس، عبر تنامي الظهور المسلح وإطلاق النار وترويع الآمنين بمناسبة ومن دون مناسبة، وقطع الطرقات بشكل متواصل وضرب مصالح المواطنين، واحتلال الشوارع والساحات بتحركات واعتصامات وخيم حملت عناوين سياسية ومطلبية مختلفة، وفتح المجال أمام النازحين السوريين للدخول الى خصوصيات المدينة وإشراكهم كطرف في الصراع الدائر والاستفادة من أعدادهم في كل التحركات الشعبية.

  60:2012قتيلاً ومئات الجرحى

كل ذلك جعل طرابلس في العام 2012 تتسم بطابع الفوضى الأمنية والعشوائية السياسية، وارتجال المعالجات، فعاشت المدينة أيام «غضب» من العيار الثقيل، كان نتاجها شللا في الخدمات، وعرقلة لكثير من المشاريع التنموية، وحصارا مستمرا بالحديد والنار عبر الخاصرة الشمالية الرخوة (التبانة وجبل محسن) والتي شهدت أسوأ عام لها على الاطلاق من الناحية الامنية منذ انتهاء الحرب اللبنانية، وكانت الخروق بمعدل جولة عنف كل شهرين، وقد حملت كل من هذه الجولات عنوانا مستقلا، لكنها صبت في إطار تداعيات الأزمة السورية على طرابلس أولا، وللضغط على رئيس الحكومة ثانيا، وهي جاءت كالتالي:

ـ جولة مجازر حمص في 10 شباط (قتيلان و19 جريحا وترافقت مع انفجار مخزن أسلحة في أبي أسمراء لم تظهر التحقيقات لمن تعود ملكيته بالرغم من إصابة أشخاص بداخله كانوا يقومون بنقل الذخائر

ـ جولة اعتقال شادي المولوي في 12 أيار (5 قتلى و30 جريحا وكان سبقها اعتصام مفتوح للجان الموقوفين الاسلاميين في سجن رومية، ومن ثم مخيم سلفي احتجاجي للافراج عن المولوي(

ـ جولة التضامن مع معركة دمشق في 3 حزيران (13 قتيلا و62 جريحا(

ـ جولة تفجير المقر العام في دمشق في 29 تموز (قتيل و33 جريحا(

ـ جولة اللهو بالمفرقعات بين أطفال التبانة والجبل في 20 آب (14 قتيلا و80 جريحا(

ـ جولة اللواء وسام الحسن في 19 تشرين اول (8 قتلى و64 جريحا، وترافقت مع اعتداءات على مركز الحزب القومي وعلى مراكز حركة التوحيد الاسلامي(

ـ جولة كمين تلكلخ في 4 كانون الأول (17 قتيلا و90 جريحا(

وقد حصدت هذه الجولات مزيدا من الدم (60 قتيلا و378 جريحا) ودمارا وخلفت مآسي في صفوف العائلات التي تزداد فقرا وبؤسا، وساهمت بتأجيل زيارتين للبطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي، وزيارة لوزير الداخلية العميد مروان شربل، وحالت أيضا دون زيارة عدد كبير من السفراء العرب والأجانب.

المجلس العسكري لأهل السُّنة

ولا شك في أن الفلتان الأمني الذي امتد أفقيا، أدى الى خروج المجموعات المسلحة للمرة الأولى في تاريخ هذا الصراع عن أي سيطرة سياسية أو امنية بعدما بات لها أجنداتها الخاصة وتمويلها المستقل ومصادر تسليحها، الأمر الذي انعش لدى بعض المتحمسين فكرة إستعادة تجربة «الامارة» من جديد، أو التخلي عن الدولة لمصلحة إنشاء «مجلس عسكري لأهل السنة»، أو توحيد البندقية السنية على حساب كل من يخالف النهج السياسي خصوصا بعد اغتيال اللواء وسام الحسن ومحاولة البعض الاستفادة من دمائه في تصفية حسابات سياسية، أو محاولات الفرز المذهبي التي كانت تلي كل جولة عنف عبر الاعتداء على ممتلكات أبناء الطائفة العلوية في أسواق طرابلس.

لكن كل ذلك اصطدم بالواقع الطرابلسي الذي لا يزال برغم كل الظروف المحيطة به محافظا على تنوعه واعتداله وعلى صيغة العيش الواحد وقبول الآخر، وعلى رفضه المطلق أي إطار سياسي أو ديني جديد يمكن أن يتناقض مع التوجهات الطرابلسية التاريخية.

ويمكن القول ان ما شهدته طرابلس على مدى 12 شهرا وتزامن جولات العنف مع أربعة مواسم اقتصادية (شهر رمضان، أعياد الفطر والأضحى، والميلاد) قد ضاعفا من حجم الصعوبات على كثير من المؤسسات التجارية التي باتت مهددة بالافلاس، خصوصا في ظل إحجام السواد الأعظم من أبنــاء الأقــضية الشمالية عن النــزول الى أسواق المدينة خــوفا من التوترات الأمنية المتلاحقة.

المجتمع المدني يرفع صوته

وقد شكل العام 2012 تحديا كبيرا لم يسبق لأبناء طرابلس أن واجهوه، فعبرت المدينة عن رفضها الانصياع لكل من يريد ان يأخذها رهينة لمشروعه الخاص، ووقفت في وجه الفلتان الأمني وإن بأضعف الايمان عبر الاعتصامات لمجتمعها المدني الرافض لاستخدام السلاح كوسيلة للتخاطب، والداعي الى النأي بمدينته عن كل الصراعات المحلية والاقليمية.

وفي هذا الاطار، وجهت طرابلس رسائل متعددة في أكثر من اتجاه، أبرزها أنها قد تتعاطف مع «تيار المستقبل» وتوجهاته، لكنها غير مستعدة للتخلي عن ابنها نجيب ميقاتي وعن حضورها المتنامي في الدولة اللبنانية عبر رئاسة الحكومة، خصوصا أن ميقاتي لم يقصر مع أبناء مدينته ولا مع طائفته في كل ما يتعلق بقضاياها المحقة بدءا من الحفاظ على الموظفين السنة، مرورا بتمويل المحكمة الدولية، وصولا الى إقرار مئة مليون دولار لتنفيذ مشاريع حيوية في طرابلس تعمل لجان مختصة على دراستها ومن المفترض أن تبصر النور في العام الجديد.

ومن بين هذه الرسائل أيضا، أن الطرابلسيين قد يختلفون في ما بينهم حول سلاح المقاومة، لكنهم يتوافقون على منع حصول أي فتنة سنية ـ شيعية، كما أنهم يتعاطفون مع «الثورة السورية»، لكنهم في الوقت نفسه، يرفضون رفضا قاطعا زج مدينتهم في اتون البركان السوري، أو أن تتحول طرابلس الى حديقة خلفية لدعم المعارضة المسلحة، أو أن يستهدفها النظام السوري بسبب مواقف أبنائها، أو أن تتحكم فيها جهة مسلحة لأي طرف سياسي انتمت.

التيار الأزرق يواجه معضلات

كذلك فقد عبر الطرابلسيون عن رفضهم أن تدفع مدينتهم ثمن بعض المشاريع السياسية وأن تصبح التوترات الأمنية فيها أشبه بنظام حياة، بينما المدن والمناطق اللبنانية الأخرى تعيش هدوءا كاملا وتنظم مهرجاناتها السياحية الأمر الذي ينعكس انتعاشا اقتصاديا عليها.

وقد ترجم أبناء طرابلس رسائلهم هذه، بترك كل الأنشطة المتعلقة باسقاط الحكومة أو النظام السوري أو سلاح «حزب الله» أو ما شابه ذلك «لمن يهمه الأمر» ونأوا بأنفسهم عن المشاركة فيها، وبقيت كل المسيرات والاعتصامات التي أقيمت تحت هذا العنوان لأهلها فقط.

وضمن هذا الاطار، لم يخف أي من نواب «تيار المستقبل» أن نقل المعركة الى طرابلس لاسقاط نجيب ميقاتي في عقر داره كان أحد أبرز الأهداف السياسية في العام 2012، لكن «التيار الأزرق» بقي يفتش عن مشهد جماهيري يشبه أحد مشاهد «14 آذار» يكون قادرا على الاطاحة برئيس الحكومة في مدينته وتحقيق انتصار يشبه الى حد ما حصل في العام 2005 في أعقاب اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

لكن نشاطات «المستقبل» بالرغم من كل «البروباغندا» التي أحيطت بها، لم تنجح في إغراء الطرابلسيين، أو تأليب الرأي العام الشعبي على نجيب ميقاتي، خصوصا في ظل استمرار «التيار الأزرق» في إغلاق «حنفية» المساعدات المالية والعينية بشكل تام، والتخبط الذي تعيشه قياداته على صعيد موازين القوى الداخلية، والابتعاد بالتالي عن مصالحة جمهوره أقله بتنفيذ الوعود التي بات يطلقها عند كل استحقاق.

ولم يشكل الاعتصام الارتجالي ونصب الخيم أمام منزل رئيس الحكومة في منطقة المعرض إثر اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن عامل جذب لأبناء المدينة، خصوصا في ظل التباينات التي حصلت ضمن قيادات التيار حول إقامته وجدوى استمراره، ليقتصر حضور ندوات «قوى 14 آذار» على العشرات من أنصار «المستقبل» في عكار والضنية والكورة.

أما مهرجان الذكرى الأربعين لاغتيال الحسن في عاصمة الشمال، فقد حمل مقاطعة سياسية واضحة من أبناء طرابلس لـ«تيار المستقبل»، وذلك في رسالة رافضة لاستمرار الشحن المذهبي والتحريض السياسي اللذين وضعا طرابلس في عنق الزجاجة من الناحية الامنية، فكان أن ألقى أحمد الحريري كلمته الختامية في المهرجان للحضور الرسمي فقط، بعدما غادر كامل الجمهور قاعة المعرض.

ميقاتي.. وامتصاص الصدمات

في غضون ذلك، كان الرئيس ميقاتي يحاول قدر الامكان استيعاب الصدمات، وقد حافظ على إيقاعه السياسي الهادئ، ونجح في تحييد الكباش السياسي العام عن الوضع الأمني في طرابلس، وفي كسر مقاطعة «تيار المستقبل» له، وذلك عبر التواصل مع نوابه من بوابة إيجاد الحلول للأزمات الأمنية.

وعلى الصعيد الطرابلسي أيضا، أعلن ميقاتي أنه مرشح للانتخابات النيابية، كما رشح الرئيس عمر كرامي نجله الوزير فيصل كرامي، بينما فاجأ وزير المال محمد الصفدي الوسط السياسي باعلانه العزوف عن الترشيح احتجاجا على ما وصل إليه العمل السياسي من تحريض وشحن مذهبي.

وقد أربك قرار الصفدي حلفاءه لكونه يشكل احدى الدعائم الرئيسية للحكومة وللتحالف الوزاري القائم في طرابلس، وقد جرت سلسلة اتصالات ومشاورات مع الصفدي لا تزال قائمة حتى الآن، لاقناعه بالعودة عن هذا القرار الذي يبقى رهنا بالتطورات المقبلة.

المصدر: السفیر العربي

28، ینایر، عام 2013م

URL: https://newageislam.com/arabic-section/tripoli-emerging-sectarian-battlefield-/d/10174

 

Loading..

Loading..