بقلم علي طاهر
تواجه طروحات الإسلام السياسي الشيعي تحدّي القبول من قبل الشارع الشيعي ذاته، قبل أن تواجه رفضاً متوقّعاً من بقيّة القوميات والمذاهب في العراق.

وكان آخر المواقف الشيعيّة، اللامبالاة التي واجهها مشروع حزب الفضيلة الشيعي لإقرار قانونَي الأحوال الشخصيّة والقضاء الجعفريَّين، وذلك من قبل القوى الأخرى في دائرة الإسلام السياسي الشيعي مثل التيار الصدري وحزب الدعوة والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، فضلاً عن انتقادات لاذعة وجّهها مراجع دين شيعة لهذَين المشروعَين.
والواقع أن الشيعة طالما تأرجحوا بين توجّهَين رئيسيَّين: الأول يدعو إلى تكوين هوية شيعيّة سياسيّة مستقلة، والثاني يدعو إلى شكل من أشكال علمنة الدولة ومشاركة الجميع في بنائها.
وبالإمكان التطرّق إلى أمثلة تاريخيّة ومعاصرة عديدة للتوجّه الأيديولوجي الأول، بدءاً من انسحاب الشيعة كلياً من المشاركة السياسيّة في العشرينيات من القرن الماضي وصولاً إلى دعوة أحمد الجلبي لتأسيس البيت الشيعي قبل سقوط نظام الرئيس الراحل صدّام حسين ودعوة المجلس الأعلى لإنشاء إقليم شيعي في وسط العراق وجنوبه.
وآخر المشاريع الاستفزازيّة لأنصار هذا التوجه، هما مشروعَي قانونَي الأحوال الشخصيّة الجعفريّة ومجلس القضاء الجعفري اللذان بديا بعيدان كلّ البعد عن هموم الشارع العراقي بطوائفه وقومياته كافة.
وقد عرض المشروعَين المثيرَين للجدل وزير العدل حسن الشمري، وهو رجل دين شيعي من حزب الفضيلة. وقد حرص حين ظهوره أمام وسائل الإعلام ، على إظهار الأمر كانتصار شيعي بعد غياب معتقدات هذا المكوّن عن التشريعات العراقيّة طوال عقود.
لكن كلّ ذلك بدا مزحة سمجة بنظر المراقبين الشيعة أنفسهم وذلك قبل ستة أشهر من الانتخابات النيابيّة في العراق، إذ يعلم الجميع أن القوى السياسيّة فشلت في إقرار قوانين أهمّ على الرغم من مضيّ سنوات من وجودها على طاولة مجلس النواب. وأبرز هذه القوانين هي النفط والغاز، وتوزيع الموارد، والأحزاب وتنظيم التظاهرات وغيرها من القوانين.
وفي الحقيقة، فإن التوجّه الشيعي الغالب منذ تأسيس الدولة العراقيّة، كان يدعو إلى التعايش السلمي في أطر ديمقراطيّة تحكم الجميع. فقد تعامل الشيعة "الإسلاميّون" ببرغماتيّة مع المواضيع المثيرة للجدل حتى وإن مسّت أفكارهم في الصميم. وهذا يختلف تماماً عن سلوك الإخوان المسلمين في مصر على سبيل المثال.
كلّ ذلك يشير إلى نمط جديد من التأقلم الإسلامي الشيعي مع متطلبات الحكم الديمقراطي، تتعايش من خلاله مظاهر معيّنة من الإسلام السياسي مع ما يمكن أن ندعوه بضرورات علمنة النظام في العراق، بحكم تنوّعه وتعدّده. ومن المفارقات أن الشارع الشيعي بناخبيه ونخبه السياسيّة والثقافيّة والدينيّة كان وما زال هو الضاغط على الأحزاب الإسلاميّة لقبول مثل هذا النوع من التأقلم.
لكن هل ينجح هذا التوجّه الأقرب إلى الليبراليّة التشاركيّة في الدولة، في إبقاء الإثنيات المتصارعة في إطار عراق متماسك؟ أم أن الشيعة سينسحبون لصالح هويّة خائفة ومعزولة، بفعل الشحن الطائفي الذي تهبّ عواصفه في الشرق الأوسط؟ التصويت أو عدم التصويت الشيعي على مشروع قانون الأحوال الشخصيّة الجعفري ومجلس القضاء الجعفري سيعدّ مؤشراً مهما على ذلك.
مصدر المقال باللغة العربية:
http://www.al-monitor.com/pulse/ar/contents/articles/originals/2013/11/iraq-shiites-secularism-sectarianism.html#
URL for the English article: https://newageislam.com/islam-sectarianism/iraqi-shiites-between-secularism,-sectarianism/d/34660
URL for this article: https://newageislam.com/arabic-section/iraqi-shiites-between-secularism,-sectarianism/d/35883