certifired_img

Books and Documents

Arabic Section (20 Jan 2014 NewAgeIslam.Com)



Saudi Arabia: The Options of Reform المملكة السعودية : خسارة الأمن وخيار الإصلاح

 

فؤاد ابراهيم

It is a common knowledge that Saudi Arabia derives its power and strength from two sources: one being a celestial blessing represented by the two holy mosques (Al-Masjid al-Haram in Mecca and Al-Masjid an-Nabawi in Medina), and the other being an earthly one represented by oil. These constituted a form of leverage for the kingdom and strengthened the pillars of the central authority and the country’s unity. However, these two sources no longer have the same momentum as before. On the one hand, this is due to the new imminent variables that directly influenced Saudi Arabia’s position in the global oil market. On the other hand, Saudi Arabia’s exceptional efforts to maintain its position as the sole sponsor of Sunni Islam have faced serious challenges that touched the essence of its religious ideology. At the domestic level, the challenges appeared in the clear decline in the position of the official religious institution through refusal to abide by the fatwas of the authority’s scholars. At the foreign level, many Muslims opposed Saudi Arabia as a reaction to its involvement in toppling the Muslim Brotherhood’s rule in Egypt.

شهدت المملكة السعودية خلال العام 2013 تحولات جوهرية في ضوء متغيرات محلية وإقليمية ودولية تركت آثارها المباشرة على أداء، سياسات ومواقف المملكة.

تقليدياً، تستمد السعودية مشروعيتها وقوتها من مصادر فريدة تميّزت بها خلال حقبة زمنية طويلة نسبياً. فقد حصلت على مكافأة من السماء (رعاية الحرمين الشريفين) وأخرى من الأرض (النفط)، فشكّلا رافعة للدولة السعودية لجهة ترسيخ دعائم السلطة المركزية ووحدة الكيان.

ولكن، لم يعد يحتفظ هذان المصدران بالزخم السابق نفسه، نتيجة متغيرات جديدة وشيكة تركت تأثيراتها المباشرة على مكانة المملكة في السوق النفطية العالمية من بينها: اكتشاف النفط الصخري في الولايات المتحدة بكميات هائلة، وعودة ايران الى اسواق النفط العالمية.

من جهة ثانية، واجهت الجهود الاستثنائية التي تبذلها المملكة للحفاظ على مكانتها كراع وحيد للإسلام السني، تحديات جديّة تمس صميم الأيديولوجية الدينية، برزت في تراجع واضح في مكانة المؤسسة الدينية الرسمية تمثّل في رفض العمل بفتاوى علماء السلطة، وخارجياً، وقف قطاع كبير من المسلمين السنّة ضد الدولة السعودية كرد فعل على ضلوعها في إسقاط حكم «الاخوان» في مصر.

ونحن هنا أمام قائمتين من المتغيرات، منها بنيوية/داخلية تستغرق فترة زمنية طويلة نسبياً، وأخرى خارجية وقعت في غضون السنوات الثلاث الأخيرة، أي منذ بدء الربيع العربي وحتى الوقت الراهن.

المتغيرات البنيّوية

يمكن التوقّف عند مجموعة متغيرات فرضت نفسها على بنية المجتمع ولا تزال مفاعيلها مستمرة، ومنها:

أ ـ تآكل الطبقة الوسطى:

الطبقة الوسطى، ببساطة، هي القادرة على ضمان الاحتياجات الاساسية لأفرادها من دون اللجوء الى مصادر أخرى، وتشمل، أي الطبقة الوسطى، معلمي المدارس والموظفين في قطاع الخدمة المدنية، والضباط العسكريين، والحرفيين والتجار. وقد ارتفع عدد أفراد الطبقة الوسطى في السعودية من 22.200 سنة 1970 الى 4.6 مليون شخص في السنة الحالية، منهم 11 في المئة فحسب من العوائل التي تنفق على وسائل الترفيه والادخار أي القادرة على تغطية نفقات المعيشة وأكثر. (أنظر: د. حسن العالي: الطبقة الوسطى في دول مجلس التعاون الخليجي: الخصائص والآفاق، مركز الجزيرة للدراسات، 22 تموز 2013).

ولكن ما ظهر من خلال معطيات اجتماعية واقتصادية يفيد أن الطبقة الوسطى لم تتطوّر ضمن نسق التحولات البنيوية التي تشهدها الدولة ضمن برامج التحديث التقليدية (أي ما يعرف بالخطط الخمسية التي بدأت سنة 1970)، فقد تآكلت الطبقة نتيجة عجز أفرادها عن تلبية احتياجاتها الثابتة المتعلقة بسبب تضخم مالي في الأسعار، ونمو سكاني عال، وثبات الرواتب لأكثر من 35 عاماً (أنظر: جريدة الرياض، 13 أيار 2013). وفي النتائج، فإن هذه الطبقة الوسطى لم تعد قادرة على احتضان مشاريع الاصلاح السياسي أو توليد مبادرات لجهة تغيير وجهة الدولة أو حتى المساعدة على دفع الأفراد لصنع إطارات للتعبير عن مصالحهم العامة عبر مؤسسات المجتمع المدني كحاضن للديموقراطية.

الاختلال الاجتماعي

في بلد يعتمد على الاقتصاد الريعي، يعيش الافراد على ما توفّره الدولة من تقديمات اجتماعية ومصادر دعم مادية. وبعد مرور أكثر من أربعة عقود على تجربة الاقتصاد الريعي في المملكة، بدا أن الدولة عاجزة عن تلبية الحد الادنى من شروط الرعاية. ومن المفارقات أنه في الفترة ما بين 2003 ـ 2012 بلغ الفائض المالي المتراكم أكثر من تريليوني ريال سعودي.

وتستثمر السعودية قسماً كبيراً من ايراداتها من النفط في شراء أصول أميركية، وتعتبر السعودية رابع أكبر مستثمري سوق سندات الخزانة الأميركية، وتأتي بعد الصين واليابان وبريطانيا. وبحسب تقارير اقتصادية نشرت في تشرين الأول الماضي، يقدر حجم الاستثمارات السعودية في سوق سندات الخزانة الاميركية بنحو 229 مليار دولار، وهي تمثل بين 70 في المئة الى 90 في المئة من الاستثمارات السعودية في الخارج. ويلف الغموض طبيعة هذه الاستثمارات وحجمها، بالنظر الى خسائر السعودية في السندات الاميركية المبنية على الدين العام الاميركي وتقدر الخسائر بنحو 40 مليار دولار أي ما يعادل 20 في المئة من إجمالي الاستثمارات.

مهما يكن، فإن الفائض المالي المتراكم فشل في معالجة أزمات البطالة والفقر والسكن. وفيما تمسكّت الحكومة السعودية بنسبة بطالة تدنو من 10 في المئة وهو المعدل العالمي لنسبة العاطلين عن العمل والتي لا تضعها في مستوى الأزمة، أشار نائب مدير عام صندوق النقد الدولي مِن زو خلال زيارته الى السعودية في كانون الأول الجاري الى أن نسبة العاطلين بين الشباب تمثل 1 من كل 4 أشخاص.

ملف الفقر يشكّل هو الآخر أحد تمظهرات الاختلال الاجتماعي، حيث تقدّر نسبة الذي يعيشون تحت خط الفقر في المملكة بربع إجمالي السكان، أو ما تعداده 4 ملايين نسمة (أنظر: واشنطن بوست، 1 كانون الثاني 2013). يقابل ذلك، تفشي الفساد في أجهزة الدولة؛ وبحسب تقرير صادر عن مجلس الغرف التجارية السعودية في 17 تشرين الثاني 2012 أن الفساد في السعودية يأكل من حق المواطن ودخله السنوي بمقدار الثلثين، فيما ذكرت صحيفة (الغارديان) اللندنية في 29 كانون الثاني 2013 أن السعودية من بين دول أخرى لا تقوم بأي إجراء يذكر من أجل مكافحة الفساد في تجارة الأسلحة.

يقترح الخبير الاقتصادي السعودي عبد العزيز الدخيل إعادة هيكلة سياسية كمدخل حتمي لأي عملية إصلاح اقتصادي أو إعادة هيكلة اقتصادية. ويتوقع الدخيل وصول الدولة السعودية الى ما أسماها هاوية اقتصادية في حال سارت الامور على النسق ذاته (صحيفة الحياة، 10 كانون الأول 2013(.

العامل الثقافي/ الاتصالي

إن منسوب الوعي لدى غالبية سكّان المملكة السعودية قد تضاعف في العقد الأخير بفعل الثراء الاتصالي، بدأ أول مرة مع الفضائيات ثم الانترنت وصولاً الى وسائل التواصل الاجتماعي. وبات الشعب في غالبيته صانعاً للحدث، وهو اليوم قادر على التأثير في السياسات والقرارات الرسمية عبر حملات منظمة يقوم بها عبر مواقع التواصل الاجتماعي خصوصاً «فيسبوك» و«تويتر»، ما دفع بجريدة «نيويورك تايمز» للقول إن ثورة السعوديين تتم عبر «تويتر» (20 تشرين الأول/أكتوبر 2012(.

نشير هنا الى دراسة نشرت في 11 كانون الأول الحالي تفيد ان عدد مستخدمي شبكة التواصل الاجتماعي ‘’فيسبوك’’ في السعودية بلغ 7.8 ملايين مستخدم، وأن أكثر فئة عمرية على ‘’فيسبوك’’ في السعودية هي ما بين 25 و34 عاماً بنسبة 46 في المئة، فيما ذكرت دراسة أجراها قسم الإحصائيات في موقع «بيزنس إنسايدر» ونشرت في 8 تشرين الثاني الماضي أن عدد مستخدمي «تويتر» في السعودية بلغ 4.8 ملايين مستخدم، بما يجعل السعودية أكبر دولة في مجال استخدام «تويتر»، بنسبة تصل الى 41 في المئة من أجمالي مستخدمي الانترنت في هذا البلد (12 مليون مستخدم للانترنت في السعودية) يضعها في المرتبة الأولى عالمياً.

يبدو واضحاً، في ضوء هذه المعطيات، أن الغالبية الساحقة من المواطنين، خصوصاً الشباب، لم تعد تخضع لتأثير مصادر التوجيه الرسمي، بل هي تتفاعل مع ثقافة إنسانية كونية تتطور خارج الحدود وتؤسس لقطيعة نفسية وفكرية مع السلطة بكل أشكالها. والأهم من ذلك كله، أن انفتاح الغالبية السكانية على وسائل الاتصال الاجتماعي وما يدور فيها من تفاعلات ثقافية وسياسية تشكّل مادة تحريض على إحداث تغيير في الواقع، ولذلك تحوّلت مواقع «فيسبوك» و«تويتر» الى ما يشبه مضمار إحماء لحركة تغيير شعبية واسعة النطاق، الأمر الذي دفع الحكومة للتفكير بصورة جديّة في حجب مواقع التواصل الاجتماعي لصعوبة مراقبتها.

متغيرات خارجية

التحوّلات الكبرى التي فرضت نفسها على المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط بعد مرور ثلاث سنوات على الربيع العربي، وضعت المملكة السعودية في مركز الزلازل السياسية والاجتماعية والامنية.

تواجه المملكة أخطاراً جديّة على أمنها في أبعاده الثلاثة: الوطني، والقومي، والاستراتيجي، الأمر الذي دفعها الى تبني مقاربات تبدو اليوم متناقضة تماماً مع خصائص الدولة المحافظة، التي كانت تسبغ عليها في العقود السابقة.

تأسس مفهوم الأمن لدى العائلة المالكة في السعودية على، أولاً: توفير متطلبات وحدة السلطة المركزية ودرء الأخطار الداخلية المحدقة بها من قبل القوى السياسية والاجتماعية الطامحة نحو السيطرة على السلطة أو التي تخطط للمنافسة أو المشاركة في السلطة بما يكسر احتكارية العائلة المالكة، ويعرّف بـ«الأمن الوطني». ثانياً: توفير بيئة متصالحة مع النظام السعودي، بأن يكون الجوار الإقليمي منسجماً معه، ويخضع في مستوى آخر لنفوذه، ويمكن أن نسميه «الأمن القومي». ثالثاً: «الأمن الاستراتيجي»، ويقوم على بسط نفوذ في مناطق بعيدة لغايات أخرى: مشاغلة الخصوم في مناطق نائية من أجل إبعاد الخطر عن الحدود، أو بناء شبكة تحالفات من أجل المساعدة في احتواء أخطار تأتي من دول مستهدفة بهذه التحالفات، أو تعزيز نفوذ في دول أخرى لها تأثير في النظامين الاقليمي أو الدولي. ويمتد نطاق الامن الاستراتيجي السعودي الى باكستان شرقاً، والى المغرب غرباً، والى تركيا شمالاً والى بحر العرب جنوباً.

إن أهم ما نتج عن ربيع العرب، انه أفضى الى انكشاف المملكة أمنياً، حيث سقطت على إثره نظرية الأمن القومي السعودي. خلال أقل من عقد خسرت السعودية حصنين لهما صلة حيوية بأمنها القومي، الاول نظام الحكم في العراق قبل نيسان 2003، والثاني نظام مبارك في مصر قبل شباط 2011، ثم توالى سقوط الحصون: انفجار ثورة شعبية في اليمن جنوباً وفي البحرين شرقاً بما وضع الأمن الوطني والقومي السعودي على محك خطير.

وبالرغم من مساعي المملكة السعودية للحيلولة دون انتقال الاحتجاجات الى أراضيها عبر الثورة المضادة، التي يبدو أنها حققّت نجاحات نسبية في اليمن عبر المبادرة الخليجية، وفي البحرين عبر التدخل العسكري المباشر، وفي مصر عبر دعم العسكر، وفي ليبيا وسوريا عبر تمويل الجماعات المسلّحة، إلا أن ذلك لم ينعكس في هيئة نتائج محسومة لمصلحة المملكة السعودية. فلا تزال أوضاع هذه البلدان غير مستقرة، ما يجعل الكلام عن احتواء المملكة وبصورة تامة لثورات الربيع العربي مجرد تكهنات أو تمنيات.

بلمحة عامة لخارطة التحالفات السعودية الإقليمية، نرى أن الرياض خسرت موقعها كزعيمة للعالم العربي، فلم يتبق لها من الحلفاء سوى (بعض) دول الخليج، كما تبقى الى حدّ ما مصر السيسي، ومملكتا الأردن والمغرب. الدول الرئيسة كالعراق وسوريا والجزائر، في عداء مع الرياض، هذا غير السودان وتونس. الرأي العام العربي بمجمله أكثر عداءً اليوم للرياض مما كان عليه قبل بضع سنوات، ولا تزال الرياض تهدر مكانتها في الصراعات المحلية العربية.

المملكة بعد التسوية الكيميائية

أوكل الملك عبد الله إدارة ملف سوريا لرئيس الاستخبارات العامة بندر بن سلطان في حزيران الماضي، كونه الأقدر على التنسيق مع الولايات المتحدة وأجهزتها الأمنية على وجه الخصوص، للعمل على مشروع إسقاط نظام بشار الأسد.

كانت الخطة التي رسمها مدير السي آي أيه السابق ديفيد بترايوس مع الأمير بندر منذ توليه جهاز الاستخبارات العامة في 11 تموز العام 2012 تقوم على استيعاب المقاتلين الاسلاميين من تنظيم «القاعدة» وغيره في الحرب السورية، من أجل استنزاف الجيش السوري في حرب طويلة ومفتوحة، والتمهيد لتدخل عسكري دولي بقيادة الولايات المتحدة وصولاً الى إسقاط النظام.

نجحت الخطة في تحشيد مقاتلين ينتمون بحسب تقديرات النظام السوري الى ثمانين جنسية، وباتت الأراضي السورية مليئة بالتنظيمات المسلّحة المرتبطة بتنظيم القاعدة والسلفية الجهادية. واحتدمت المعارك الدموية على كامل التراب السوري، وسقط عشرات الآلاف من الضحايا من عسكريين ومدنيين ومن سوريين وعرب وأجانب، ولحق الدمار الهائل بالمدن والمحافظات السورية، ولكن الخطة لم تؤد الى سقوط النظام السوري، ما اضطر الغرب لأن يعيد النظر في خيار الحرب، بالرغم من محاولات توفير مبرراتها، عبر اتهام النظام بارتكاب مجازر جماعية، أو استخدام أسلحة الدمار الشامل، أو تحت شعار حماية المدنيين... ولكن في نهاية المطاف توصّل الغرب الى تسوية في الملف الكيميائي السوري يفضي الى تسوية شاملة للأزمة.

كشف تراجع إدارة أوباما عن الضربة العسكرية لسوريا، ودخولها في تسوية مع روسيا في الملف الكيميائي السوري ومن ثم مع ايران، في الملف النووي، عن صدع بنيوي عميق في التفكير الاستراتيجي السعودي، انعكس بصورة فورية على الأداء الديبلوماسي والسياسي المرتبك على المستويين الاقليمي والدولي، تمثّل في إلغاء: زيارات رؤساء دول (لبنان، ايران)، وكلمة السعودية في الامم المتحدة، ثم تخلّيها عن المقعد غير الدائم في مجلس الامن. وكرّت سبحة التوترات في علاقاتها مع تركيا وقطر على خلفية الانقلاب ضد حكم «الاخوان» في مصر، ثم في العلاقة مع اليمن التي وصلت الى حد التدخل العسكري، واخيراً انفجار أزمة في العلاقات السعودية ـ العُمانية بعد اعلان السلطنة رفض فكرة الاتحاد الخليجي، الى جانب التوترات التقليدية في علاقاتها مع ايران والعراق وسوريا وقوى المقاومة في لبنان وفلسطين.

ما يلفت الانتباه أمام هذه التمزّقات في علاقات السعودية مع الدول العربية والاقليمية غياب أي نشاط ديبلوماسي سعودي على الساحة العربية منذ اندلاع الازمة السورية، فلا نكاد نسمع عن زيارة قام بها الملك أو ولي العهد أو وزير الخارجية الى بلد عربي باستثناء ما يتعلق بالاستجمام (المغرب) أو بالأزمة السورية (مصر والاردن(

ايران ـ السعودية: خزّان الخصومات

على امتداد العقدين الماضيين، وتأكّد في السنوات الخمس الأخيرة، ان المملكة السعودية سخرّت إمكانياتها المالية والديبلوماسية والاعلامية لمواجهة ما تسميه المشروع الايراني. وعكس التحرّك السعودي نفسه في مستويات ثلاثة: محلي، واقليمي، ودولي. وجرى استعمال الاسلحة السياسية والطائفية والاقتصادية والاستخبارية والعسكرية والارهابية (ممثلة في القاعدة)، ورفضت بشكل قاطع أي حديث عن تسويات سياسية لا على مستوى العلاقة المباشرة بين الرياض وطهران، ولا على مستوى مناطق نفوذهما.

قبل سفر الرئيس الايراني حسن روحاني الى نيويورك لالقاء كلمة بلاده في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول الماضي، حاول الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية، تشكيل وفد خليجي برئاسة الشيخ صباح الأحمد، أمير الكويت، بهدف إيصال رسالة خليجية مشتركة الى الإدارة الاميركية تنطوي على انزعاج من أي تطور للعلاقات الايرانية الأميركية وتداعياتها الخطيرة على استقرار المنطقة، ولكن الفكرة فشلت لرفض أمير الكويت رئاسة الوفد، كما فشلت فكرة رئاسة سعود الفيصل نفسه لوفد من وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي. شعرت المملكة بأن شقيقاتها ليست على استعداد للدخول في مواجهة مع الاخ الأكبر، الولايات المتحدة، بل على العكس بادرت أكثر دول مجلس التعاون إلى الاتصال بايران بصورة مباشرة أو عبر وسطاء، فزار سلطان عُمان طهران، وحمل معه رسالة قطرية بالرغبة في عودة العلاقات الطبيعية مع ايران، فيما أبلغ ولي العهد الاماراتي محمد بن زايد الروس بأنه على استعداد للبدء بمحادثات استراتيجية مع ايران.

وجاءت زيارة محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الايراني الى كل من الكويت والامارات، وما تضمنته من مواقف إيجابية، أشعرت السعودية بأن المزاج الخليجي العام ليس على توافق مع توجهات الشقيقة الكبرى، وظهر في حدّه الأقصى برفض عُمان فكرة الاتحاد الخليجي، ما دفع بجريدة «الحياة» المموّلة سعودياً لأن تتحدث عن مساع إيرانية عُمانية لتفكيك مجلس التعاون الخليجي (الحياة، 9 كانون الأول الحالي)، فيما لوّحت السعودية بقطع مساعدات دول مجلس التعاون الخليجي عن عُمان، بحسب جريدة «القدس العربي» في 11 كانون الأول الحالي.

حاول ظريف أن يبعث رسالة طمأنة الى السعودية، الى جانب، بطبيعة الحال، الرغبة بفتح صفحة معها، ولكن بلا طائل. لا يبدو أن الرياض في وارد إحداث استدارة كاملة نحو العمل الديبلوماسي، في وقت لا تزال تراهن على الميدان السوري، وقد يتطلب منها الأمر وقتا إضافيا قبل أن تستعيد توازنها وتنظر بواقعية الى المتغيرات من حولها.

وفيما عبّر الامير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات العامة السابق في المملكة السعودية، عن موقف واضح إزاء النفوذ الايراني وكرر الاتهامات لإيران بالتدخل في شؤون الدول العربية «من البحرين إلى فلسطين» وقبل كل شيء سوريا، بحسب ما جاء في كلمته في منتدى «حوار المنامة» الأمني في 7 كانون الاول 2013، في المقابل، قال مسؤول إيراني سابق «إن على الجمهورية الإسلامية وجيرانها ان يتعلموا التعايش السلمي من دون اعتماد دول الخليج العربية على الغرب في حمايتها».

خلاصة

وقعت الأوضاع المحلية تحت تأثير أوضاع إقليمية مضطربة، ما يعزّز الحكمة الدارجة بأن السياسة الخارجية لأي دولة إنما هي انعكاس لسياستها الداخلية. وقد ظهر أن الشأن الخارجي اندغم في الشأن المحلي، الى حد باتت القضايا الخارجية خصوصاً تلك ذات الطابع الخلافي شأناً داخلياً سعودياً (شعبياً ورسمياً). خلافات السعودية مع الأسد ومع طهران ومع الحكم المركزي في بغداد، و«حزب الله» في لبنان، و«الاخوان المسلمين» في مصر، و«الحوثيين» في اليمن، وحماس في فلسطين، وفي لحظة ما قطر، والآن مع سلطنة عُمان، تندمج في النقاشات الداخلية، وتمثّل أحد مولّدات المشروعية الدينية والسياسية للنظام السعودي، على الأقل وسط البيئة الحاضنة له، أي منطقة نجد. إثارة موضوعات خلافية مثل هذه تهدف الى نقل المعركة من الداخل الى الخارج، للحيلولة دون نجاح أي تجربة ديموقراطية في الخارج لما لها من تأثيرات على الداخل.

وكما يبدو، فإن االانخراط الكامل في النزاعات الخارجية، كما هو الحال في سوريا الآن، ينطوي على رفض ضمني لأي عملية اصلاحية محلية شاملة اقتصادية وسياسية واجتماعية.

في ضوء المعطيات السالفة الذكر، فإن ثمة مخاطر جمّة تحدق بالدولة السعودية نتيجة مقاربتها لملفات المنطقة، وانتقالها المفاجئ الى سياسة الهروب الى الامام، في ظل تبدّلات مفاجئة في خريطة التحالفات والمصالح الغربية، وبروز قوى دولية جديدة ناهضة، وتبدّلات بنيوية عميقة في اقتصاديات الدول، وتالياً تراجع مكانة السعودية في الاستراتيجية الاميركية.

وإذا كان هناك ما يمكن استخلاصه فإن المملكة السعودية بحاجة الى مراجعة نقدية شاملة للمقاربات المعتمدة خلال السنوات الثلاث الماضية، والتي ساهمت في تمزيق شبكة علاقاتها العربية والاقليمية والدولية، وتركت آثاراً مباشرة على أمنها القومي والاستراتيجي؛ وإن زيادة وتيرة الانغماس في أزمات المنطقة يحمل في طياته ارتدادات خطيرة في المستقبل على الداخل؛ ولا مناص من بدء عملية إصلاحية شاملة تبدأ بالسياسة أولاً وتنتهي بالدفاع أخيراً، وما بينهما إصلاحات اقتصادية وقضائية واجتماعية وثقافية.

18/01/2014

Source: http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=2640&ChannelId=63920&ArticleId=774#.UtFM1dIW1aY

URL: http://www.newageislam.com/arabic-section/fouad-ibrahim-فؤاد-ابراهيم/saudi-arabia--the-options-of-reform--المملكة-السعودية---خسارة-الأمن-وخيار-الإصلاح/d/35355

 




TOTAL COMMENTS:-    


Compose Your Comments here:
Name
Email (Not to be published)
Comments
Fill the text
 
Disclaimer: The opinions expressed in the articles and comments are the opinions of the authors and do not necessarily reflect that of NewAgeIslam.com.

Content